صحيفة الثوري – خاص:
خليل الزكري
لا يمكن النظر إلى اقتحام مقر الحزب الاشتراكي اليمني في مدينة المكلا بمحافظه حضرموت، باعتباره حادثة أمنية معزولة أو إجراءً ميدانيا ارتبط بفعالية سياسية محددة.
فمثل هذه الوقائع تتجاوز لحظة حدوثها، لأنها تمس أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الحياة السياسية، وهي حق الأحزاب في العمل والتنظيم وممارسة نشاطها في إطار القانون.
وتمثل هذه الحادثة اختبارا حقيقيا لمدى التزام السلطة المحلية بسيادة القانون واحترام الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور والقوانين النافذة.
فالسلطة التي تتولى إدارة المحافظة مسؤولة عن حماية الحقوق العامة قبل أي اعتبار آخر.
وعندما تتحول الأجهزة التابعة لها إلى طرف يقتحم مقرا حزبيا ويثير حالة من الذعر بين النساء الموجودات داخله، فإن القضية تتجاوز حدود الإجراء الأمني لتصبح قضية تتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والقانون.
وفي النظم الإدارية، لا تتوقف مسؤولية المحافظ عند القرارات التي يصدرها بنفسه، بل تمتد إلى الأعمال التي تنفذها الأجهزة الخاضعة لإشرافه.
لذلك، القيادة مسؤولة عن القرار، ومسؤولة عن الرقابة، ومسؤولة عن المحاسبة. ومن هذا المنطلق، فإن محافظ حضرموت يتحمل المسؤولية السياسية والإدارية عن هذه الواقعة، سواء صدرت بتوجيه مباشر أو جاءت نتيجة خلل في إدارة الأجهزة الأمنية.
محافظ حضرموت، بوصفه رئيس السلطة المحلية والمسؤول التنفيذي الأول في المحافظة، وعضو مجلس القيادة الرئاسي، مطالب اليوم بتقديم إجابات واضحة للرأي العام.
من أصدر التوجيهات؟ وما السند القانوني الذي استندت إليه القوة الأمنية؟ وهل جرى الاقتحام بعلمه أم أن الأجهزة الأمنية تحركت خارج نطاق مسؤوليته الإدارية؟
وحتى لحظة إعداد هذه المادة، لم يصدر عن محافظ حضرموت أو السلطة المحلية توضيح رسمي يجيب عن هذه التساؤلات، الأمر الذي يزيد الحاجة إلى موقف معلن يوضح ملابسات ما جرى ويحدد المسؤوليات بصورة شفافة.
والأمر الأكثر خطورة أن الحادثة مست أحد أكثر الخطوط حساسية، باقتحام القسم المخصص للنساء وتهديد الموجودات بالسلاح وإجبارهن على مغادرة المبنى، لما يمثله ذلك من انتهاك جسيم لحقوق المواطنين، لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة أمنية أو سياسية.
ويكفل الدستور اليمني مبدأ التعددية السياسية وحرية التنظيم الحزبي، كما ينظم قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية عمل الأحزاب ويضمن لها ممارسة نشاطها في إطار القانون.
وأي دخول إلى مقر حزب سياسي خارج الإجراءات القانونية والقضائية يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بهذه الضمانات الدستورية والقانونية.
ولم يكن مستغربا أن يعيد الحزب الاشتراكي في حضرموت التذكير باقتحام مقره خلال حرب صيف عام 1994. فالحوادث التي تمس المقرات الحزبية لا تغادر الذاكرة السياسية بسهولة، لأنها ترتبط بثقة المجتمع في قدرة الدولة على حماية التعددية السياسية وصون الحقوق العامة.
تعيش حضرموت مرحلة دقيقة تتشابك فيها التحديات الأمنية مع التنافس السياسي، وهو ما يضاعف مسؤولية السلطة المحلية في إدارة الاختلافات وفقا للقانون، بعيدا عن أي إجراءات قد تفسر بأنها استهدافا مباشرا ومقصودا لطرف سياسي بعينه.
والقضية هنا لا تخص الحزب الاشتراكي وحده، لأن أي انتهاك يرتكب بحق حزب سياسي اليوم قد يصبح سابقة يمكن أن تمتد إلى بقية الأحزاب غدا.
فحماية الحريات السياسية لا تقاس بهوية المتضرر، وإنما بقدرة الدولة على تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.
ولا يكفي في مثل هذه القضايا الإعلان عن فتح تحقيق إذا غابت الشفافية أو تأخرت النتائج.
كما أن الصمت الرسمي في قضية تمس الحقوق والحريات يتحول بمرور الوقت إلى موقف سياسي بحد ذاته، وهو ما يجعل المحافظ مطالبا بإعلان موقف واضح من الواقعة، قبل أن يعلن نتائج أي تحقيق.
إن هيبة الدولة تبنى بسيادة القانون، وباحترام حقوق المواطنين، وبحماية المقرات الحزبية، وبضمان أن تبقى الأجهزة الأمنية أداة لتنفيذ القانون، لا طرفا في الخلافات السياسية.
ويبقى أمام محافظ حضرموت خيار واضح: إما أن يثبت للرأي العام أن ما جرى تصرف ستتم مساءلة المسؤولين عنه وفق القانون، وإما أن تتحمل السلطة المحلية المسؤولية السياسية الكاملة عن واقعة ستظل علامة فارقة في سجل الحريات بالمحافظة.
وفي كل الأحوال، فإن المحافظ يبقى المسؤول الأول أمام المواطنين عن أداء الأجهزة التنفيذية والأمنية الخاضعة لسلطته، وعن حماية سيادة القانون التي تمثل أساس شرعية أي سلطة عامة.

