صحيفة الثوري — خاص:
تقرير تحليلي/ خليل الزكري
في غضون عشرة أيام، انتقلت أزمة الطائرة الإيرانية إلى مطار صنعاء من سجال سياسي حول شرعية رحلة جوية، إلى مواجهة عسكرية معلنة تعيد تعريف قواعد الصراع في اليمن.
فبعد أيام من الجدل القانوني والدبلوماسي، أعلنت وزارة الدفاع في الحكومة الشرعية، اليوم الاثنين، استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي بقصف مباشر، في مشهد غير مسبوق منذ سنوات، لمنع طائرة إيرانية تابعة لشركة “ماهان إير” من الهبوط.
ومع تحويل الطائرة مسارها إلى مطار الحديدة، حيث هبطت فيه لأول مرة منذ عام 2015، دخل الملف الجوي اليمني مرحلة جديدة، من تطبيق الردع العسكري لحماية السيادة، وليس مجرد الاحتجاج عليها.
وفي تطور لاحق، أعلنت قوات التحالف أن الدفاعات الجوية السعودية تعاملت مع تهديد صاروخي أطلقته الميليشيا الحوثية باتجاه المنطقة الجنوبية، مما يؤكد أن التصعيد لم يعد محصورا في الأجواء اليمنية، بل امتد إلى العمق السعودي.
قفزة نوعية من الاحتجاج إلى الردع
الفرق الجوهري بين أزمة الثالث من يوليو الجاري وأزمة الثالث عشر منه، لا يكمن في هوية الطائرة أو وجهتها، ولكن في طبيعة الرد.
ففي المرة الأولى، اكتفت الحكومة الشرعية بالبيانات والإدانات، غير أن وزير الدفاع طاهر العقيلي، أعلن أن القوات المسلحة “ستتصدى بالقوة وبجميع الوسائل المتاحة لأي محاولة إيرانية لاختراق الأجواء اليمنية”، قبل أن تنفذ القوات الجوية تهديدها باستهداف المدرج.
ويعكس هذا التحول تغيرا في قواعد الاشتباك، حيث لم تعد الحكومة تكتفي بتوصيف الرحلة بأنها “انتهاك للسيادة” وشرعت في فرض السيادة بالقوة.
وجاء البيان الرئاسي الصادر مساء الاثنين عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، ليؤكد هذا التحول، معلنا أن القوات المسلحة “نفذت الإجراءات الدفاعية اللازمة باستهداف مدرج مطار صنعاء، حماية للسيادة الوطنية، وأثبتت كفاءتها العالية وقدرتها الكاملة على ردع هذا التهديد”.
وتشير التطورات إلى أن الرسالة الاستراتيجية الأعمق لا تتعلق بتغيير قواعد استخدام القوة، أكثر من مجرد اعتراض طائرة.
فالمعلومة الأكثر أهمية ليست “هناك طائرة إيرانية”، بل “للمرة الأولى منذ سنوات، تستخدم الحكومة القوة لمنع رحلة قبل هبوطها.
وتعلن أنها “ستكرر ذلك مستقبلاً”، ليمثل هذا التطور انتقالا من سياسة الاحتجاج على انتهاكات السيادة إلى سياسة فرض السيادة بالقوة.
وتقرأ الحكومة الشرعية هذا التحول باعتباره استعادة لدورها في حماية المجال الجوي، في وقت تتعامل فيه مع الرحلات الإيرانية باعتبارها محاولة لفرض أمر واقع سياسي يخدم أجندات خارجية.
مطار الحديدة من شلل دام عقدا إلى ملاذ جوي
في تطور يحمل دلالات استراتيجية، هبطت الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة الدولي، المتوقف عن استقبال الرحلات الجوية منذ عام 2015.
وبينما أعلنت الحكومة إغلاق جميع مطارات البلاد أمام حركة الطيران حتى إشعار آخر، أشرف وزير النقل في حكومة الحوثيين، غير المعترف بها، على ترتيبات استقبال الطائرة في المطار الساحلي.
ويعني هذا أن الحوثيين، رغم استهداف مدرج صنعاء، تمكنوا من إعادة تشغيل مطار الحديدة كمطار بديل، وهي خطوة قد تعيد تعريف خريطة المطارات العاملة في اليمن، وتفتح الباب أمام سيناريوهات جديدة لإدارة الحركة الجوية خارج إطار الحكومة المعترف بها.
كما أن إعادة تشغيل مطار الحديدة قد تدفع الحكومة مستقبلا إلى توسيع مفهوم حماية المجال الجوي ليشمل مطارات أخرى، وهو ما يفتح بابا جديدا أمام احتمالات التصعيد.
العليمي يرسم قواعد جديدة.. الردع دون التوسع
في اجتماع طارئ لمجلس القيادة الرئاسي، خرج الرئيس رشاد العليمي ببيان حمل مزيجا من الحسم والتحذير، مؤكداً أن الدولة “لن تسمح مستقبلا لأي طائرة بانتهاك الأجواء اليمنية، سواء إلى مطار صنعاء أو أي مطار آخر، وردع أي محاولة لفرض أمر واقع يمس سيادتها”.
لكن البيان تضمن أيضا توجيها بعدم توسيع نطاق المواجهة، حيث شدد على أن القرار “لم يكن تراجعا عن واجب الدولة في حماية سيادتها، وإنما قرار سيادي مسؤول، اتخذ من موقع القوة والثقة بقدرات قواتنا المسلحة، مع الحرص على تجنيب أبناء شعبنا أي مخاطر أو تداعيات”.
وتعكس هذه المعادلة الدقيقة – الردع دون التوسع – جوهر الاستراتيجية الجديدة، في استخدام القوة لمنع الانتهاكات، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام التهدئة، وحرصا على عدم جر اليمن إلى صراع إقليمي أوسع.
لكن الهجوم الصاروخي الحوثي على السعودية، الذي جاء بعد ساعات من استهداف مطار صنعاء، يضع هذه المعادلة أمام اختبار حقيقي، في تطور قرأه مراقبون بوصفه مؤشرا على اتساع نطاق التصعيد.
المبادرة الحكومية.. تشغيل المطار ونقل الوفد
كشف البيان الرئاسي عن مبادرات حكومية سبقت التصعيد، حيث أكد الرئيس العليمي أن الحكومة كانت “الطرف الأكثر حرصا على استمرار تشغيل مطار صنعاء بصورة قانونية وآمنة”، وطرحت مبادرات لتسيير الرحلات المدنية عبر الخطوط الجوية اليمنية، الناقل الوطني الوحيد المخول قانونا، واستعدت لتسهيل نقل وفد الحوثيين عبر طائرة تستأجرها الشركة.
وتعزز هذه الخطوة الانطباع بأن للرحلات الإيرانية تحمل بعدا سياسيا إلى جانب بعدها الطبيعي، وتقرأ الحكومة هذا الإصرار الحوثي باعتباره محاولة لفرض أمر واقع سياسي يخدم أجندات خارجية، في وقت رفضت فيه المليشيا الحوثية جميع المبادرات الحكومية.
قلق أممي واتصالات مكثفة
مع تحول الأزمة إلى مواجهة عسكرية، دخل المبعوث الأممي هانس غروندبرغ على خط الأحداث ببيان حذر فيه من “مخاطر اتساع نطاق التصعيد”.
وأعلن أنه يجري “اتصالات مكثفة ومباشرة مع الممثلين العسكريين لجميع الأطراف”، داعيا إلى خفض التصعيد.
ويأتي هذا التدخل في وقت حساس، إذ يسعى غروندبرغ للحفاظ على التهدئة المستمرة منذ عام 2022. لكن السؤال المطروح: هل يستطيع احتواء أزمة تجاوزت حدود السياسة إلى ساحات القتال، وامتدت إلى العمق السعودي، خصوصا أن البيان الرئاسي حمل دعوة صريحة للمجتمع الدولي “للانتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الردع، وإنفاذ قرارات الشرعية الدولية”؟
الحوثيون.. تصعيد وتمسك بالرحلات
في المقابل، اتهم المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي، العميد يحيى سريع، السعودية بشن غارات على مطار صنعاء، واصفا الهجوم بأنه “عدوان” أنهى “مرحلة خفض التصعيد”، متوعدا بأن الهجوم “لن يمر دون رد وعقاب”.
وأكدت الجماعة استمرار تشغيل الرحلات بين صنعاء وطهران.
وجاء الهجوم الصاروخي على المنطقة الجنوبية السعودية بعد ساعات من استهداف مطار صنعاء، في تطور يعد مؤشرا على أن الحوثيين مستعدون لمواجهة مفتوحة تمتد إلى العمق السعودي، وليس فقط الدفاع عن الأجواء.
السياق الإقليمي.. البحر الأحمر والملاحة الدولية
لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع.
فالهجمات البحرية التي شنها الحوثيون خلال العامين الماضيين جعلت من البحر الأحمر مسرحاً للمواجهة. وتشير التطورات الحالية إلى احتمال انتقال التنافس من البحر إلى المجال الجوي، مما يوسع رقعة الاشتباك ويجعل اليمن ساحة اختبار متكاملة لقواعد اشتباك جديدة.
ويأتي هذا في مرحلة تشهد فيها إيران إعادة ترتيب لمؤسساتها بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في غارات جوية نهاية فبراير الماضي، مما يدفع طهران إلى البحث عن وسائل لإظهار استمرار حضورها الإقليمي.
وبذلك تصبح الرحلات الجوية إحدى أدوات الحفاظ على شبكات النفوذ الإقليمي، في وقت تعمل فيه القيادة الإيرانية الجديدة على إثبات استمرار تماسك محورها الإقليمي.
ويمثل الهجوم الصاروخي على السعودية اختبارا مباشرا لقدرة التحالف على حماية أراضيه، وقدرة المجتمع الدولي على احتواء تداعيات هذا التصعيد الذي يهدد أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
قواعد اشتباك جديدة في سماء اليمن
يكشف مسار الأزمة أن ما حدث يمثل قفزة نوعية في الصراع، حيث تجاوزت أزمة الطائرة الإيرانية حدودها كحادثة طيران، لتصبح اختبارا عمليا لقواعد الاشتباك الجديدة.
فاستهداف مدرج مطار صنعاءأصبح إعلانا عن سياسة جديدة، تكشف عن أن الحكومة الشرعية مستعدة لاستخدام القوة لحماية سيادتها الجوية.
وقد لخص البيان الرئاسي هذه المعادلة بدقة، حين أكد أن القرار “لم يكن تراجعا عن واجب الدولة، وإنما قرار سيادي مسؤول، اتخذ من موقع القوة والثقة بقدرات قواتنا المسلحة”.
وفي الوقت نفسه، شدد على أن الأولوية هي “حماية أرواح المدنيين وصون الممتلكات العامة، وعدم توسيع نطاق المواجهة”.
لكن الهجوم الصاروخي الحوثي على السعودية يضيف بعدا جديدا للأزمة، إذ ينقل التصعيد من الأجواء اليمنية إلى العمق السعودي، ويضع التحالف أمام اختبار حقيقي لقدرته على حماية أراضيه، واختبارا لقواعد الاشتباك الجديدة التي أعلن عنها في بيانه السابق.
فهل سيكون الرد السعودي “بحزم وقوة غير مسبوقة” كما توعد؟ أم أن الأطراف ستسعى إلى احتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة؟
ويثير هذا التحول سؤالا آخر يتعلق بتوزيع الأدوار بين الحكومة اليمنية والتحالف.
فاستهداف مدرج المطار داخل اليمن، بدلا من اعتراض الطائرة في المجال الجوي، قد يعكس توجها لإبراز الحكومة باعتبارها صاحبة قرار الدفاع عن السيادة، مع احتفاظ التحالف بدور المساندة العسكرية.
وإذا صحت هذه القراءة، فإن الأزمة لا تعيد رسم قواعد الاشتباك مع الحوثيين فحسب، بل تعيد أيضا تعريف العلاقة العملياتية بين الحكومة والتحالف.
اختبار سيادة في لحظة إقليمية معقدة
تكشف الأزمة أن السيادة الجوية تحولت إلى إحدى ساحات الصراع الرئيسية في اليمن، وأن التصعيد لم يعد محصورا في الأجواء اليمنية، بل امتد إلى العمق السعودي.
فبعد سنوات تمحورت فيها المواجهة حول الجبهات البرية والبحر الأحمر، دخل المجال الجوي بدوره معادلة الردع، وأصبحت المطارات اليمنية والسعودية أهدافا محتملة في صراع إقليمي أوسع.
ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح الجهود الدولية في احتواء هذا التحول، أم أن المنطقة مقبلة على جولة جديدة من التصعيد تعيد رسم خرائط الصراع في اليمن والمنطقة؟ رحلة بدأت بنقل بوفد حوثي للمشاركة في تشييع خامنئي، وانتهت بقصف مدرج وهجمات صاروخية على السعودية، وسط إعلان حكومي بأن “الدولة لن تسمح مستقبلا لأي طائرة بانتهاك الأجواء اليمنية”، وتوعد حوثي باستمرار استهداف العمق السعودي.
وفي اليمن، حيث تتقاطع المصالح وتتداخل الأوراق، تظل السيادة الجوية ورقة رابحة في لعبة إقليمية لم تنتهِ جولاتها بعد.

