صحيفة الثوري – ثقافة
أحمد حرمل
أدت النتائج الكارثية لحرب 94 على الجنوب إلى ضرب النسيج الاجتماعي، وإلى زراعة البراميل في النفوس بدلاً عن الجغرافيا.
كان للضالع من الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها القوات الغازية للجنوب في حرب 94 نصيبُ الأسد؛ إذ عمل المنتصر على إدارة الضالع عسكريًا وأمنيًا، ولكي يحكم قبضته عليها، تم تحويلها من مديرية تتبع محافظة لحج إلى محافظة، بعد أن ضُمَّت إليها أربع مديريات شمالية، وهذا يعني مزيدًا من القوات الأمنية والعسكرية.
فرع للأمن المركزي في المحافظة، وفرع للنجدة، وفرع للأمن السياسي والأمن القومي، وفرع للاستخبارات العسكرية، وإدارة أمن المحافظة. وما كان لهذه الفروع أن تكون لو ظلت الضالع مديرية تتبع محافظة لحج.
كان بريمر الضالع، محمد عبدالله حيدر، قائد اللواء 35 مدرع، هو الحاكم الفعلي، وكانت تصله كل شاردة وواردة ، بعد أن زرع أفراد استخباراته في مرافق ومفاصل الدولة.
ظن بريمر أن الضالع بعد هزيمة حرب 94 لم تقم لها قومة، وعزز قناعته هذه بسياسة ارتكاب جرائم القتل والانتهاكات والتعديات.
بدأت مقاومة الأوضاع بعد حرب 94 بالظهور في بيانات منظمة الحزب في مديرية الضالع، التي أعادت ترتيب أوضاعها في منتصف عام 95.
وأنا هنا لا أود أن أتحدث عن الجانب السياسي والعسكري لمقاومة تلك الأوضاع، بل أود أن أتحدث عن الزوامل الشعبية التي كانت تمثل لسان حال الناس وتعبر عن همومهم.
ففي عام 95، وفي عرس لأحد المواطنين في مديرية الشعيب، أراد أفراد القوة العسكرية الرابضة في الشعيب اتباع سياسة جديدة تتمثل في الاختلاط بالناس ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم، وكسر حالة العزلة التي يعيشونها.
وعند وصول قائد تلك القوة وعدد من ضباطه إلى مكان العرس، رحبوا بهم وقدموا لهم الغداء وأكرموهم، كعادة أبناء الشعيب في التعامل مع الضيوف.
وبعد تناولهم الغداء، انتقلوا إلى أحد المجالس للمقيل، وعند وصولهم رحب بهم كنعان الشعيبي بالزامل التالي:
قال الشعيبي لو سمحتم عزلو
هذا الجبل مرعى جمالي والتيوس
بالأمس رحبنا وقلنا تفضلو
ماشي رهناها وبعنا بالفلوس
ماشي خضعنا للامامه واسألو
ولا اعترفنا بالنصارى والمجوس
بانناضل مثل ذي قد ناضلو
نحمي قرانا بالخناجر والفؤوس
مثل هذا الزامل صدمة للقائد العسكري ورفاقه، وشعروا بأنهم غير مرحب بهم، فغادروا العرس.
انتشر هذا الزامل بين أوساط الناس كالنار في الهشيم، ولم يكن أحد يعرف أن هذا الزامل كان تأثيره على أفراد القوات الرابضة في الشعيب أقوى من الرصاص.
أوصل أبناء الشعيب رسالتهم بهذا الزامل، وفهم بريمر الضالع محمد عبدالله حيدر، قائد اللواء 35 مدرع، تلك الرسالة، وأمر بسحب قواته من الشعيب وإعادتها إلى معسكر عبود بمدينة الضالع، الذي كان يتمركز فيها اللواء.
بعد هذا الزامل، توالت زوامل أخرى كنا ننشرها في صحيفة “الثوري” في الصفحة الأخيرة كل اسبوع باسم شاعر مجهول، ومنها زامل انتقد تسريح الكوادر الجنوبية العسكرية والمدنية، حيث يقول فيه الشاعر:
حيا الله رجال الشرعية
ذي عادلو بين الكوادر والرعاه
الراعي الشرعي حقوقه مرعية
والكادر الفني وراء نعجة وشاه
وتلا ذلك زامل الحاج قاسم الشعيبي من قرية الرباط، قال فيه:
لا سامحك يا البيض ما قصرت شي
سويت لي معروف ما بنساه طول
دخلتني طيز الحمار الداخلي
خليتني فكر خروجي من دخول
وعقب ترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية، وحصول نظام صنعاء على دعم مالي سعودي، قال أحد الشعراء:
يا عيوني لا تباتي سهارى
ضيع الناس الريال السعودي
لو علي سالم وحيدر نصارى
عاد في صنعاء سعيد اليهودي
وفي عام 97، وأثناء الحملة الانتخابية للمؤتمر الشعبي العام في الانتخابات التي قاطعها الاشتراكي، تفاعل أحد الشعراء مع المقاطعة، وجادت قريحته بالزامل التالي:
يا شرعية مابا نصوت لك ابد
من بعد ما دستي على القلب الاليم
وفي القيامة ما نصافح لك جسد
لو تسكني الجنة سكنا في الجحيم
وفي المؤتمر التأسيسي، اي المؤتمر الأول للمنظمة في محافظة الضالع، أبدع مندوب المؤتمر الشاعر الضرير توفيق علي مثنى الجحافي بالزامل التالي:
يا خزبنا يا صانع الوحده
قد غيروا الوحده ومعناها
لا شطر يحكم شطر بالقوه
هذه الاساليب قد عرفناها
وإلى جانب هذا الزامل الذي ردده مندوبو مؤتمر الاشتراكي في محافظة الضالع، كان هناك زامل آخر، لا أدري هل هو لتوفيق الجحافي أم لشاعر آخر، هذا الزامل يقول:
رص الصفوف اقوى من المدفع
ذي ما يصدق واجب اقناعه
شف ما اخذ بالغصب بايرجع
ما نتركه لو قامت الساعة
إن الحديث عن الزوامل شائك وطويل، ولا أريد أن أسترسل أكثر في الحديث عنها، وسأختتم الحديث بأبيات، أجمل من جميلة، للدكتور يحيى شايف ناشر، سمعتها عام 98 من الدكتور العزيز صالح قاسم الحكم، فخطرت على بالي فكرة تلحين تلك الأبيات وغنائها، فطلبت من الدكتور الحكم الاستئذان من صاحبها، فقام هو بدوره بالتواصل مع الدكتور يحيى شايف، الذي كان حينها يدرس في العراق، فرد عليه أنه لا يريد أن يذكر اسمه حتى لا يتعرض للأذى، وابلع الدكتور الحكم بأنه متنازل عن تلك الأبيات لي.
طبعًا أنا رفضت ذلك، وأضفت إليها أبياتًا، دون ان ذكر صاحبها وعرضتها على الصديق العزيز الفنان المبدع سالم عبدالقوي لتلحينها، ليغنيها الفنان الطروب عبدالله الذناني في عرس نجل الشهيد قائد مثنى عمر، الشاب الخلوق عبود قايد ، الذي حرص أن يكون تاريخ عرسه في 14 أكتوبر.
ولكون منزل العريس لا يفصله عن إدارة أمن المحافظة سوى سور، كان الفنانان سالم عبدالقوي وعبدالله الذناني متوجسين من إقدام قوات الأمن على اقتحام العرس. حاولت أن أقنعهما بأن رمزية الشهيد قائد مثنى عمر ستمنعهم من الإقدام على ذلك، فتمعن الفنان سالم عبدالقوي في الأبيات، وبذكائه المعهود وفطنته، تدخل فيها بإضافة بيت في آخر الأغنية.
هذا البيت كان كفيلًا بحماية الفنان من أي ملاحقة أو أذى.
وفيما يلي نص أبيات الشاعر يحيى شايف، والأبيات التي أضفتها، وبيت الفنان سالم عبدالقوي:
قلبي مع الوحدة وعقلي ضدها
من ذا يوحد بين عقلي والضمير
كم لي وانا بالتلم جاري بعدها
كلما ذريتوا بر يطلع لي شعير
خايف على الوحده وخايف منها
صرتوا كما ضامئ معلق وسط بير
ان قلت انا بشر سقطوا قعرها
وان قلت بصبر جف حلقومي المرير
(إلى هنا انتهت أبيات الدكتور يحيى شايف ناشر)
أما الأبيات التي أضفتها فكانت على النحو التالي:
انا مع الوحده ومن صناعها
ما انا افصالي يا لوانا والمشير
الام تعبانه منكد حالها
من يوم بابكره طلع فيها وزير
والبنت مسكينه ظلمها خالها
في ساعة الشده وقف جنب الصهير
واهل العشيره فرقوا سامانها
واولادها فيها ولا تلقى مدير
ونختم بالبيت الذي أضافه الفنان الرائع سالم عبدالقوي للضرورة الأمنية:
انا مع الوحده اظل بظلالها
حتى نفس روحي النهائي والاخير
وعلى هذا تم تلحينها من قبل الفنان سالم عبدالقوي، وغناها الفنان عبدالله الذناني.

