“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أحمد حرمل
في ذلك الزمن الغابر، زمن ما قبل “لايك” و”شارك”، كان المجتمع يعيش في بهرجان من المظاهر.
بدلة أنيقة، وشهادة معلّقة على الحائط، ولقب أكاديمي يلمع كالذهب الزائف؛ كلها كانت كافية لتحويل أي إنسان إلى صنم يُعبد، حتى لو كان عقله فارغاً كأكياس الهواء في إطارات السيارات.
كان حرف “الدال” قبل الاسم أشبه ببطاقة دخول إلى نادي النخبة، وكأن المجتمع يوقّع عقداً ضمنياً مع صاحبه مفاده: “أنت محترم، مهما كان محتوى رأسك”.
كنا نقرأ الناس من أغلفتهم، وكأننا في مكتبة لا نفتح فيها كتاباً، بل نكتفي بالنظر إلى غلافه، ثم نُصدر أحكاماً نهائية لا رجعة فيها.
لكنّ “الفيسبوك” ووسائل التواصل الأخرى كان لها رأي آخر.
مع انفجار منصات التواصل، لم تولد شخصيات جديدة من العدم، بل فُتحت الأقنعة واحدة تلو الأخرى، وكأننا في حفلة تنكرية انتهت فجأة وأُضيئت كل الأنوار.
الكلمة المكتوبة، والتعليق العابر، أو حتى منشور غاضب في الثانية أو الثالثة فجراً؛ كلها أصبحت مرايا لا تكذب، تعكس العقل قبل الملامح، والجوهر قبل الزي الرسمي.
ذاك الذي كان يختبئ خلف لقب رنّان، كالقوقعة الفارغة، انكشف خواؤه في أول جملة يكتبها.
وذاك الذي كان صامتاً، يحمل حكمة لا تعلن عن نفسها، ارتفع صوته فجأة، وأصبح مرئياً كما لم يكن من قبل.
ولعل أبرز مثال معاصر على هذه الظاهرة هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
فوسائل التواصل كشفت عن أقنعة الكثيرين، وترامب خير مثال حيّ على هذه الظاهرة.
فمنذ حملته الرئاسية، لم تكن تغريداته مجرد تصريحات سياسية، بل نافذة مفتوحة على عقله، كشفت عن شخصيته أكثر من أي لقب أو منصب رسمي.
فبدلاً من خطابات الرئيس المصقولة، أظهرت منشوراته على “تروث سوشيال” هوسه الضيق وانشغاله بتفاهات، متقلباً بين التهديدات العسكرية ومقاطع الفيديو الساخرة عن خصومه.
وفي مشهد ساخر، نشر 17 صورة ساخرة في 9 دقائق فقط، معظمها عن عظمته ووضع صورته على جبل راشمور، وأحياناً كان ينشر 30 منشوراً في يوم واحد.
وهنا تكمن المفارقة؛ كان الرئيس الأميركي ينشر في الرابعة والنصف فجراً، مهاجماً منتقديه بكلمات مثل: “هؤلاء الحمقى… إما حسّاد أو أشرار أو أغبياء”.
لكن ما اعتبره البعض “خلفية ضوضائية”، كان في الحقيقة كشفاً واضحاً لشخصية لا تحتمل النقد، وتبحث عن التملق، وتنزلق إلى نظريات المؤامرة.
وهكذا، كان ترامب هو من فضح نفسه بنفسه، مؤكداً أن وسائل التواصل ليست مجرد منصة، بل مرآة تعكس الجوهر، مهما كان ثقيلاً أو مضحكاً.
ومع هذه الثورة الرقمية، انهارت أيضاً أسوار التخصصات، وتطايرت الحواجز بين المجالات كأنها من ورق.
صرنا نرى الطبيب يفتي في المحاماة، والمهندس يُشخّص أمراضاً لم يسمع بها، والعسكري يتحول بين ليلة وضحاها إلى خبير سياسي يلمّ بأسرار الكون، والمعلم ينظر إلى الاقتصاد العالمي وكأنه ورقة امتحان سهلة.
حتى السباك –لا نبالغ– صار مؤرخاً يُنظّر في حضارات سومر، لمجرد أنه يقرأ منشورين على فيسبوك، ويحاكم الفكر، ويقلل من قيمة الثورات التحررية وتضحياتها ومنجزاتها، ويقيّم تجارب البلدان، ويدين الزعامات وطريقة إدارتها لبلدانها.
في هذه الفوضى الجميلة، أصبح كل من يحمل هاتفاً ذكياً “مثقفاً شاملاً” يُصدر الأحكام في كل شيء؛ كأن العلم بات ميراثاً لا يحتاج إلى مشقة، وكأن التخصصات تُمنح بالثقة لا بالسهر على الكتب.
لقد تحول البعض إلى “فشفشي” العصر؛ يعرف كل شيء، وهو في الحقيقة لا يعرف شيئاً على الإطلاق، في تناقض بديع يصلح مادة لفكاهي عظيم.
لكن، في خضم هذه المهزلة، كان للوسائل وجه آخر أكثر عدلاً.
لقد تحولت المنصات إلى ميزان دقيق، لا يأبه للألقاب ولا يخاف من الشهادات.
إمّا أن تُثقِل كفتك بما تكتب، فتكون، وإمّا أن تخفّ، فتُقذف إلى مزابل النسيان.
لم يعد اللقب ضماناً للهيبة، ولم تعد البدلة درعاً يحمي صاحبها من النقد.
المعيار اليوم هو النص؛ سطر تكتبه قد يرفعك إلى عنان السماء، وسطر آخر قد يهوي بك إلى حيث لا يرتفع.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أجمل ما في الإنسان أن يكون أكبر من لقبه، وأقبح ما فيه أن يكون لقبه أكبر منه.
وهكذا، لم تغيّر وسائل التواصل قواعد الاحترام فحسب، بل أعادت تعريف المثقف والعالم والجاهل على حد سواء.
منحت الكلمة سلطة لم تكن لها من قبل، وجعلت من الفكر معياراً لا يمكن تزويره، مهما كانت الشهادات مزخرفة أو الألقاب برّاقة.
في زمن الأقنعة، كان لا بدّ من أداة تكشف الوجوه كما هي.
وقد فعلتها وسائل التواصل –بامتياز– وأحياناً بفضيحة مسلية.

