“صحيفة الثوري” – (في الذاكرة):
أحمد حرمل
يصادف اليوم 20 يونيو الذكرى الـ69 لملحمة كريتر.
يوم لم يكن مجرد تاريخ في الأجندة، بل كان ردّاً حيّاً على سؤالٍ قاسٍ: هل تُكسر إرادة أمة بسقوط عسكري؟
في 5 يونيو 1967، خسرت الأمة العربية معركتها مع إسرائيل، وسقطت الجبهات في مصر والأردن وسوريا، واهتزّت القلوب.
شعر العربي كأن الأرض تهتز به، وكأن صوت الهزيمة يطغى على كل شيء.
لكن في قلب عدن، في شوارع كريتر الضيقة وأزقتها المكتظة، كان لرجال الجبهة القومية رأيٌ آخر.
تمركز الثوار على جبل شمسان غيّر موازين المعركة.
من هناك، من علوّ الجبل الشامخ، قطعوا شرايين الإمداد على قوات الاحتلال، وفرضوا حصاراً خانقاً على مدينة كريتر.
صار الجبل عيناً لا تنام، ويداً لا ترتخي، فانقلب السحر على الساحر؛ فصار المحتل، من شدّ الخناق، يختنق، ومن نصب الفخّ وقع فيه.
خاضوا معارك وجهاً لوجه في الأزقة، وألحقوا بقوات الاحتلال خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، حتى ارتبك قادتهم وضاعت عليهم الخطى.
ولم تمت الملحمة هناك، بل خلّدها الفن ليبقى صوتها حيّاً في الذاكرة.
غنّى الفنان الكبير “محمد مرشد ناجي” أغنيته الشهيرة “قايد الجيش البريطاني”، التي كتب كلماتها الفنان والشاعر محمد سعد عبدالله:
قائد الجيش البريطاني مسيكين ارتبش
يوم عشرين الأغر ضيع صوابه
يوم جاه العلم بالهاتف إلى بيته غبش
زاغ عقله والعرق بلّل ثيابه
شل بابوره ولما داخل الجولة احتوش
ما قدر يوصل إلى خيمة صحابه
كيف با يوصل وصوت المدفع الرشاش رش
من جبل شمسان يصليهم عذابه
صاح في قوات جيشه قال قوموا يا حوش
بس ما حد منهم ردّ الإجابة
لا ولا واحد من العسكر تنحنح أو عطش
خوف لا ثوارنا تسمع جوابه
يلعن اللي لا عدن ساقه وجابه
والعساكر كلهم من حط في حفرة حفش
وإن رفع راسه وقع حصل حسابه
شافها شولي على غفلة تمسّلل وامترش
خفى سكته ولا واحد درى به
راح للوالي ولما قابل الوالي ارتعش
ما قدر ينطق ولا يبلع لعابه
بعد ساعة، بعد ما جاب للوالي الطفش
بعدما الوالي عزم ينتف شنابه
قال باستغراب: هذا الشعب من فين انتبش؟
والسلاح اللي معه من فين جابه؟
الفدائيين احتلوا المباني والعشش
كلما قاومتهم زادوا صلابة
جيشك أنت يا تريفليان حوش
والرصاص الحمر تصربهم صرابة
أنصحك لفلف شقاديفك وعفشك والبقش
روح لك لندن مع باقي العصابة
وغنّى “محمد سعد عبدالله” فحفر التاريخ في الوجدان بصوته أغنية “ولا باتنتسي يا يوم عشرين”، وهي من كلماته وألحانه:
ولا با تنتسي يا يوم عشرين
من الخاطر ويا من عاش ذكر
في يونيو الفجر من تاريخ عشرين
مع صوت المؤذن يوم ذكر
سمعنا أخبار أن الشعب ذلحين
قد استولى على الموقف وسيطر
وكل الناس قدهم مستعدين
لخوض المعركة داخل كريتر
على صوت المدافع والمكايين
خرجنا كلنا محد تأخر
وقع له يوم حامي بالسكاكين
ودمه في شوارعنا تطعفر
سمع هذا الخبر حس الملاعين
تريفليان سقط لما تكسر
وقال الآن إن بدفع ملايين
لذي با ينقذ الوضع المدهور
لقيهم كلهم مثله مجانين
قد الواحد يبا تسعين تختر
هكذا يُكتب التاريخ
لا يكتبه من يملك الطائرات والدبابات وحدها، بل يكتبه من يملك قلباً لا يقبل الذل، ويداً لا ترتخي وقت الشدة، وصوتاً يحوّل المعركة إلى أغنية لا تموت.
69 سنة مرّت، وبقيت كريتر وشمسان شاهدتين، وبقيت الأغاني تردّد ما قالته البنادق يومها: إن الردّ على الانكسار لا يكون بالبكاء، بل بالفعل.
وأن الأرض إذا وجدت رجالها، عرفت كيف تنتصر.
وهكذا يظل الفن، وحنجرة محمد مرشد ناجي ومحمد سعد عبدالله ومحمد محسن عطروش وغيرهم من فناني الجنوب، أيقونة الثورة والحرية.
فعندما يذكر اسم المرشدي تحضر معه أغنيات “قايد الجيش البريطاني” و”أنا الشعب” و”هنا ردفان” و”أخي كبلوني”.
وعندما يذكر محمد سعد عبدالله تحضر أغنية “ولا باتنتسي يا يوم عشرين”.
وعندما يذكر اسم الفنان محمد محسن عطروش تحضر معه رائعته الثورية “برع يا استعمار”، هذه الأغنية الخالدة الحاضرة في وجدان الشعب.

