آخر الأخبار

spot_img

الهوية الجامعة والاشتراكي والانتقالي في مرمى نيران الهويات المحلية

صحيفة الثوري – كتابات

اللواء علي حسن زكي

إن تأسيس كيان اتحاد الجنوب العربي متزامنًا مع قرب خروج بريطانيا من عدن، ومترافقًا مع بقاء سلطنات حضرموت والواحدي شبوة خارجه، ليكون ذلك بمثابة ألغام مزمنة تنفجر في وجه قيام دولة استقلال الجنوب الواحدة الموحدة من الشرق إلى الغرب عند إعلانها، إن ذلك قد كان محل اهتمام قيادة الجبهة القومية لتحرير “جنوب اليمن” المحتل حين عملت مبكرًا على إبطالها وتفكيكها من خلال:

تأسيس أطرها التنظيمية في كل مناطق الجنوب الشرقية والغربية، وهو أمر بديهي استوجبه قيامها واستوعبه مسماها، وكذلك تشكيل قيادتها من مناضلي كل تلك المناطق أيضًا، بل ومن خلال مشاركة أبناء هذه المنطقة في قيادة جيش التحرير في جبهة منطقة أخرى والعكس، فضلًا عن مشاركة الكل في قيادة العمل الفدائي بالمدينة، ودون الحاجة لذكر الأسماء والتفاصيل فهي معلومة ومنقوشة في ذاكرة التاريخ.

فيما مثّل إعلان دولة الاستقلال جمهورية اليمن “الجنوبية” الشعبية على كامل التراب الوطني الجنوبي إنهاءً لكيان اتحاد الجنوب العربي، ومثّل تقسيم الجنوب إلى ست محافظات إنهاءً للسلطنات والإمارات والمشيخات وطي الماضي بكل مسمياته، مثّل كل ذلك عهدًا ثوريًا ووطنيًا جديدًا على أنقاض عهد انتهى بنضالات وتضحيات شعب الجنوب من المهرة إلى باب المندب، وعلى مدى رحلة كفاح مسلح في مواجهة قوات إمبراطورية لا تغيب عن مستعمراتها الشمس، دام لمدة 4 سنوات 63/10 – 67/11/30م، وبناء دولة مؤسسية حديثة ومهابة وأمن واستقرار وسيادة وطنية وأمن غذائي ومستوى معيشي مستقر ووظيفة عامة وخدمات اجتماعية، والقائمة تطول، يكفي أن المواطن يصف اليوم ذلك العهد بالزمن الجميل. وبقدر ما كان لها إيجابياتها وهي كبيرة، كان لها سلبياتها، فلكل عمل إيجابي سلبياته، ومن الإنصاف أن يُنظر إليها بعقلية الأمس والزمان والمكان وحداثة التجربة وطبيعة المؤامرات الداخلية والخارجية التي أرادت وأد الدولة والتجربة في مهدها، وعكس ذلك يخرج عن نطاق التقييم الموضوعي إلى تصفية حسابات ماضوية مع الجبهة القومية وامتدادها الحزب الاشتراكي.

إن استدعاء الجنوب العربي بعد أن كان قد انتهى بثورة واستقلال، قد فتح الباب أمام عودة الهويات المحلية التي كانت هي الأخرى قد انتهت معه، في ذات السياق يأتي توظيف الهوية الحضرمية ليس لضرب الهوية الوطنية الجنوبية الجامعة، ولكن بهدف إغراق أبناء حضرموت أيضًا في صراعات داخلية، بما هي المحافظات سوف لن تكون من ذلك ببعيد، وكل محافظة بتنافس الأخرى وتريد أن تكون هي الأفضل إن لم يكن لها الغلبة عليها.

وقد لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قد يمتد نحو استهداف مشروع استعادة الدولة والعودة إلى ماضي السلطنات وعودة السلاطين، وبهدف إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء، حيث يصير الولاء للقبيلة والسلطان بدلًا عن الدولة.

وإذا كان عودة مسمى الجنوب العربي لا يستهدف عودة هوية، فأي شعب هو الذي يظل قرابة ستون عامًا بدون هوية حتى يأتي اليوم من يبعث له هوية قد انتهت، ولماذا محاولة التقليل من مكانة شعب بمقام شعب الجنوب وبهكذا خفة؟ ولكنه يستهدف تاريخ الجبهة القومية وامتدادها الحزب الاشتراكي لتصفية حسابات ماضوية.

فإن عودة الهويات والسلطنات وتفريخ مكونات تستهدف إخراج المجلس الانتقالي وقيادته من المعادلة الوطنية والسياسية، وبغطاء لغة هابطة: لماذا يحكموكم أبناء الضالع؟ لماذا يحكموكم أبناء المثلث؟ وأنتم الأولى بحكم مناطقكم.

في هذا الإطار يأتي ما قاله الخنبشي سالم في مقابلة حديثة له، إن الانتقالي من بقايا الاشتراكي، بما هو الانتقالي كيان ولد من رحم مكونات الحراك الجنوبي السلمي ومقامته الشبابية، ووجود قيادات اشتراكية في هيئاتها بصفتهم، والاشتراكي ليس له من بقايا، فهو موجود بتاريخه وأطره التنظيمية وحضوره الفاعل في المشهد كشجرة وارفة أصلها ثابت وفرعها بالسماء، وإذا كان له افتراضًا من بقايا فهي تلك الأوراق الصفراء التي تساقطت من شجرته ذات يوم وتلقفتها رياح المصلحة، وأوصلتها إلى بلاط صالح، وانحنت له، وصارت اليوم من بقايا حصانه.

إن خلاصة كل تلك السردية أن الهوية الجامعة والجبهة القومية وامتدادها الاشتراكي بتاريخه في تحقيق استقلال، وبتجربته في بناء دولة وطنية، والانتقالي بنضاله وتضحياته ويحمل مشروع استعادة وبناء دولة، كلاهما في مرمى نيران الهويات المحلية.

فهل آن لعقلاء الجنوب أن يفيقوا؟ المؤامرة كبيرة، والكل فيها مستهدف، ولن يسلم منها أحد، والوطن هو الخاسر، وحتى متى؟