“صحيفة الثوري” – (رأي):
اللواء علي حسن زكي
إن غالبية بلدان العالم تعيش عصر الطفرات العلمية والاقتصادية والحياتية، ومأسسة دولها، وتسير على طريق الذهاب نحو مستقبل أكثر أمناً وتقدماً ورقياً، فيما يعاني أبناء بلدنا، جنوبنا الحبيب، من تدهور معيشي وخدمي في مختلف مجالات وشؤون حياتهم ومتطلباتها، مع محاولات العودة بهم إلى ماضي ما قبل الدولة.
وإذا كان التحرير والاستقلال عام 67م قد أغلقا ماضي اتحاد “الجنوب العربي” وكياناته التي قام عليها، من خلال قيام محافظات ومديريات على أنقاضها، وفي إطار الدولة الجنوبية الواحدة الموحدة، من سقطرى والمهرة إلى باب المندب.
فإن هناك من يريد العودة بالدولة الجنوبية إلى هذا الماضي من بوابة استعادة دولة الجنوب العربي، وربما يكون ما يتم من أحلاف قبلية وكيانات ومشاريع صغيرة وهويات محلية بمثابة تهيئة أو استغلال لذلك.
وفي كل الأحوال، فإن المسكونين بالماضي لا يبحثون عن مسمى ماضوي، لعلمهم أن اليمن جهة؛ فما على يمين الكعبة يمن، وما على شمالها شام. وإذا كان الشام قد تألف من عدة دول، فإن اليمن تألف من دولتين: الجمهورية العربية اليمنية، وجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، ولاحقاً الديمقراطية. هذا ناهيك عن أن زعيم حزب الرابطة، عبد الرحمن الجفري، أعلن في مؤتمر الرابطة الذي عُقد في صنعاء تعديل اسم الحزب من “رابطة أبناء الجنوب العربي” إلى “رابطة اليمن”، وقال إن اليمن جهة. ولكنهم، أي الذين لا يبحثون عن مسمى، قد يبحثون عن ذرائع لتصفية حسابات سياسية ماضوية، وإدانة الثورة والاستقلال ودولته، وكأن ذلك كان خطيئة بسبب استخدام مسمى اليمن، وهي أسباب وذرائع واهية مردود عليها بما تقدم، وبوجود هذه الكوكبة الجنوبية النضالية والسياسية والفكرية والعليمة بالتاريخ، التي أسست الجبهة القومية لتحرير جنوب “اليمن” المحتل، وكانت في مقدمة صفوف شعب الجنوب في انطلاقة ثورته، وخوض غمار الكفاح المسلح والعمل الفدائي، وتحقيق الاستقلال، وإعلان الدولة ومسماها وعلمها وبنائها. فهل كان ذلك أصل الخطيئة؟
ولذا، ماذا يمكن لمن يريدون عودة الماضي أن يقولوا عن راجح لبوزة، أول شهيد للثورة؟ وعن عبد النبي مدرم، الذي خُلد بتسمية شارع المعلا الرئيسي باسمه؟ وعن الرياضي الحبيشي، الذي خُلد بتسمية ملعب عدن باسمه كأول شهداء العمل الفدائي؟ وعن الفدائي مهيوب علي غالب الشرعبي (عبود)، الذي استشهد بجانب مدرسة الشيخ عثمان وهو يدافع عن بنت عدن/الجنوب، المناضلة الفدائية نجوى مكاوي، من استفزاز دورية بريطانية، وقد خُلد بتسمية مستشفى عبود العسكري ولواء عبود باسمه، وذلك كما قرأنا عن استشهاده ذات يوم.
وعن مؤسسي الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل، وفي مقدمتهم قحطان الشعبي، الذي كان على رأس وفد الحوار واستلام وثيقة الاستقلال، وأعلن الاستقلال ودولته ومسماها “جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية”، وكان أول رئيس لها، وفيصل عبد اللطيف أول رئيس لوزرائها، وعبد القادر أمين، ونور الدين، وعبد الباري قاسم من عدن، وسالم زين، وعلي عبد العليم، وأحمد سالم عبيد من لحج، وعلي سالم البيض أول وزير دفاع في دولة “جمهورية اليمن الجنوبية”، وفيصل العطاس، والحاج باقيس من حضرموت، وعلي عنتر، وصالح مصلح، وعلي شائع، وعلي بن علي هادي من الضالع، وسعيد صالح، وصالح محسن الوحدي من ردفان، ومطيع، وعلي محضار من يافع، والسيد محمد عبيد، ومحمد أحمد نجيب من الحواشب، وبخيت مليط، وعبد الصفي العامري من كرش، وقايد صلاح، ومحمد علي الصماتي، وعبد القوي شاهر من الصبيحة، وسالمين، ومقبل، ومحمد علي هيثم من أبين، وباصهيب، وأحمد مساعد حسين من شبوة، ومحمد سالم عكوش، وأحمد سالم مخبال من المهرة، والقائمة تطول من المناضلين من مختلف المحافظات والمديريات.
وماذا يمكن لهم أن يقولوا عن المناضل الكبير وأبي الشهداء عبد القوي مكاوي، زعيم حزب جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل، وورود اسم اليمن ضمن مكون التسمية؟ وعن المناضل والعبقري في التاريخ والسياسة والفكر والثقافة، الهامة السامقة عمر الجاوي، الذي كان أول رئيس لاتحاد الأدباء والكتاب “اليمنيين”، وأحد أبرز مؤسسي، ومؤسس ورئيس حزب التجمع الوحدوي “اليمني”، وعن الهامة الوطنية والنضالية والسياسية والقانونية خالد فضل منصور، أحد أبرز مؤسسي حزب العمل اليمني.
وخلاصة القول، إن المسكونين بعودة الماضي لأغراض سياسية إنما يفتحون بذلك معارك جانبية عبثية، وشعب الجنوب في غنى عنها، وعلى حساب المعركة الوجودية في مواجهة الخصم الرئيسي واستعادة الدولة والتوجه صوب المستقبل. وفي هذه المرحلة الحساسة والمفصلية من تاريخ نضالات شعب الجنوب وتضحياته، لا سيما أنهم يستفزون بذلك أولاد وأحفاد شهداء وجرحى الثورة والاستقلال ومرحلة بناء الدولة، ومن تبقى من المناضلين، وأولادهم وأحفادهم أيضاً، وكل المتعاطفين، بما يؤثر على وحدة أبناء الجنوب وتماسك نسيجهم الجغرافي والمجتمعي والسياسي والمدني، في وقت تتطلب فيه المرحلة عكس ذلك.
ومن هنا، فإن الأفضل للمسكونين بالماضي أن يتوجهوا صوب المستقبل، ويغادروا الماضي ومسمياته ودولة الجنوب العربي، وهم في الساحات يرفعون علم دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، الذي استشهد المناضل الشاب البطل وضاح البدوي، ابن ردفان، في إحدى فعاليات الحراك السلمي، برصاصة أحد قناصة قوات صالح، وكل ذنبه أنه كان متدثراً به.
ليتم أولاً استعادة الدولة، وعند استعادتها يكون شعب الجنوب هو من يقرر مسماها بالطرق الدستورية والقانونية المتعارف عليها، فالعربة لا توضع قبل الحصان.

