“صحيفة الثوري” – خاص:
حاوره: باسل أنعم
◾ “اعترضونا بـ 20 مسلحاً في المياه الدولية.. وشحنتنا كانت فخاً لتهريب دولي أبطاله في دبي ولندن”
◾ “حكموا علينا بـ 15 مليون دولار.. ونخوض اليوم معركة قضائية لاستعادة حقوقنا ومرتباتنا الضائعة”
خلف قضبان سجون “بندر عباس” في إيران، ضاعت ثلاث سنوات من عمر الربان اليمني الكابتن محبوب عبده ثابت العامري، ليس لجرم ارتكبه، بل لكونه كان رباناً لسفينة وجدت نفسها في مرمى القرصنة والتهريب الدولي الممنهج. هي قصة صمود بدأت باعتراض مسلح في عرض البحر، وتكشفت لاحقاً عن خفايا شحنة مهربة هزت الأوساط البحرية، وانتهت بصفقة بيع للسفينة وحكم قضائي جائر، لولا كواليس دبلوماسية وحقوقية معقدة قادتها جهود مخلصة حتى نال الحرية.
في هذا الحوار الشامل والحصري لـ“صحيفة الثوري”، يكسر الكابتن محبوب صمته ليروي تفاصيل الرحلة المشؤومة للسفينة “إريانا”، ويكشف لأول مرة عن الجهات والشخصيات المتورطة في تدمير طاقمها، ومعركتهم القادمة لمقاضاة الشركات المالكة في دبي ولندن وأثينا لانتزاع حقوقهم الضائعة.
البدايات.. حياة في عرض البحر
الثوري: كابتن محبوب، نود في البداية أن تقرب القارئ من مسيرتك المهنية.. كيف بدأت علاقتك بالبحر؟
الكابتن محبوب: بدأت رحلتي في عام 1979 حين سافرت إلى الإسكندرية في منحة دراسية من مؤسسة الموانئ اليمنية. درست في الأكاديمية البحرية وعملت على سفن كويتية لسنوات، وتدرجت في الرتب البحرية حتى نلت درجة “ربان” عام 1990. خلال مسيرتي زرت أكثر من 35 دولة، وعملت في الإرشاد والتفتيش البحري باليمن، ثم عدت للعمل على سفن إماراتية وعراقية حتى عام 2022.
الثوري: وكيف جاءت مهمة قيادة السفينة “إريانا”؟
الكابتن محبوب: في يوليو 2022، اتصل بي الزميل محمود وحيد وأخبرني أن السفينة “إريانا” في المخا بحاجة لربان. تسلمت المركب من طاقم باكستاني كان متضرراً من تأخر مرتباته، وقام أحمد نعمان دويد وشريكه العراقي سلوان فخري إبراهيم بدفعها وتسفيرهم عبر ميناء عدن. استلم الطاقم اليمني الجديد المركب وسافرنا إلى الإمارات، حيث شحنا البضائع من منطقة المخطاف بالإمارات (نحو 10 آلاف طن من مادة الديزل) على مدار شهر، وبعد استكمال بعض الإصلاحات، توجهنا في 22 أكتوبر صوب اليمن، ولم يكن هناك أي مؤشر يوحي بما سيحدث.
لحظة الانقضاض.. قرصنة تحت غطاء التحقيق
الثوري: كيف بدأت تفاصيل عملية الاختطاف في مضيق هرمز؟
الكابتن محبوب: كنا في المياه الدولية، على بُعد 7 أميال تقريباً من سلطنة عمان، وفجأة أحاطت بنا قوارب تطلب التوقف. لم نعرف هويتهم، وحاولت الاتصال بالبحرية العمانية دون رد. فجأة، اقتربت باخرة صغيرة وقفز منها حوالي 20 شخصاً بأسلحة آلية واقتحموا غرفة القيادة، وأجبرونا تحت تهديد السلاح على رفع أيدينا فوق رؤوسنا، وأغلقوا كافة أجهزة الملاحة وتحديد المواقع، ثم غيروا مسارنا قسراً نحو جزيرة “قشم” الإيرانية.
الثوري: وجهت لكم السلطات الإيرانية تهمة “تهريب الوقود”.. ما حقيقة ذلك؟
الكابتن محبوب: هذه التهمة هي “الذريعة” الجاهزة دائماً للسياسة الإيرانية للسيطرة على السفن. نحن لم ندخل المياه الإقليمية الإيرانية إطلاقاً، وقدمنا كافة الوثائق الرسمية التي تثبت مصدر الشحنة ووجهتها، لكنهم كانوا يرفضون سماع الحقيقة. القضية في نظري كانت محاولة لابتزاز صاحب البضاعة؛ حيث أرسلوا مندوباً له في البداية يساومونه على دفع مليون دولار بشكل غير رسمي لإطلاق السفينة، وعندما رفض، تحولت القضية إلى مسار رسمي “ملفق” بمصادرة السفينة وبضائعها.
خفايا الشحنة.. كيف وقعنا في فخ “التهريب الدولي”؟
الثوري: بالعودة إلى الشحنة التي تسببت في هذه الكارثة.. هل اتضحت لكم لاحقاً أي تفاصيل حول طبيعتها ومصدرها الحقيقي؟
الكابتن محبوب: نعم، وهذه هي المفاجأة الصادمة التي عرفناها بعد فوات الأوان. لقد اتضح لنا لاحقاً أن تلك البضاعة (الشحنة) كانت بالفعل مهربة من إيران! السيناريو كان يتم عبر نقلها أولاً بواسطة قوارب صغيرة من إيران، ثم تستقبلها شاحنات برية تقوم بتجميعها وشحنها في الشارقة، ومن هناك أُرسلت إلينا لنقوم بنقلها على متن السفينة “إريانا”.
المشتري الأساسي والمخطط لهذه العملية هو شخص عراقي الجنسية يدعى “سلوان فخري إبراهيم”، وهو صاحب شركة “SFI”، وقد بيعت الشحنة لصالح المشتري اليمني “أحمد نعمان دويد”، والذي أنكر لاحقاً وبشدة معرفته بأن هذه البضائع التي اشتراها من المدعو سلوان كانت مهربة من الأساس، ليجد الطاقم اليمني نفسه الضحية الوحيدة في هذا الفخ الممنهج.
داخل الزنازين.. بين الضرب والخذلان
الثوري: كيف كانت ظروف احتجازكم داخل السجون الإيرانية؟
الكابتن محبوب: عشنا أياماً في ضيق شديد وانفصال تام عن أسرنا. في البداية احتجزونا على ظهر السفينة لمدة شهرين، وكان الحرس الثوري يحضر يومياً للتصوير والتحقيق. وعندما رفضت تفريغ الحمولة في ميناء بندر عباس، تعرضت للضرب واقتادونا مقيدين (ثلاثة أشخاص) إلى القاضي الذي أمر بتفريغ الشحنة. الخذلان الأكبر كان من صاحب السفينة والبضاعة، الذين تركونا نواجه مصيرنا دون أي دعم مادي لأسرنا التي عانت الأمرين بغيابنا.
الثوري: بعد أشهر، تم الإفراج عن معظم طاقم البحارة وبقيت أنت ومساعدك محمود.. لماذا؟
الكابتن محبوب: تم ترحيل 17 بحاراً إلى اليمن وبقيت أنا ومحمود وزميل آخر يدعى “الكمراني” (الضابط الأول). الغريب أنه صدر حكم لاحق بالإفراج عن الكمراني، بينما أُبقيت أنا ومحمود لتحمل وزر الأحكام الجائرة، رغم أن محمود كان الرجل الثالث في السفينة ولم يكن صاحب القرار.
أحكام خيالية وخيار “المقايضة”
الثوري: حدثنا عن قرار المحكمة الصادم بحقكم؟
الكابتن محبوب: الحكم كان سريالياً؛ السجن 3 سنوات مع غرامة خيالية وصلت إلى 15 مليون دولار (خُفضت في الأيام الأخيرة إلى 8 ملايين)، وفي حال عدم الدفع، يقضي القانون الإيراني بقضاء فترات سجن بديلة تصل إلى 15 عاماً! لقد كان حكماً معداً مسبقاً لمساومة الحكومة اليمنية، حتى أنهم طرحوا خيار مقايضتنا بأسرى إيرانيين كانوا محتجزين في المخا. وقد طرحنا هذا الخيار على صاحب البضاعة أحمد دويد ليوصله للسلطة الشرعية، لكنه اختفى تماماً بعد ذلك ولم نعد نرى وجهه.

الثوري: وماذا عن مصير السفينة “إريانا”؟
الكابتن محبوب: السلطات الإيرانية صادرت السفينة وباعتها مع حمولتها لتسديد الغرامات. لم يتم استشارتنا مطلقاً، وكانوا يقولون لنا بحدة: “لا دخل لكم بالسفينة أو البضاعة”، وسمعنا لاحقاً أن صاحب السفينة حصل على مبالغ التأمين، بينما تركنا نحن في قاع السجن.
كواليس التحرك الدبلوماسي.. كيف فُتحت أبواب طهران المغلقة؟
الثوري: هل كان هناك دور للسفارة اليمنية في طهران لمتابعة قضيتكم؟، وكيف بدأت عجلة الدبلوماسية بالتحرك الفعلي؟ ومن كان وراء كسر الجمود في قضيتكم؟
الكابتن محبوب: في البداية، واجهنا عقبة محبطة للغاية؛ حيث رفعت السفارة في طهران مذكرة إلى وزارة الخارجية في صنعاء تفيد بأن قضيتنا “ليست دبلوماسية” بل قضية جنائية بحرية، وبالتالي لا تدخل ضمن اختصاصهم للمتابعة.
هنا بدأ التحرك الحقيقي والإنقاذ من الداخل، حيث بذل قريبي (نسبي) الصحفي طه العامري جهوداً جبارة ومتابعة مستمرة مع وزارة الخارجية بصنعاء، ولم يهدأ حتى انتزع توجيهات ومذكرة رسمية صارمة وجهتها الخارجية للسفارة في طهران تأمرها بالتدخل الفوري ومتابعة قضيتنا. وبناءً على هذه التوجيهات الرسمية، بدأت السفارة تحركها الفعلي لدى السلطات الإيرانية لإنقاذنا والإفراج عنا من سجن “بندر عباس”، وترافق ذلك مع جهد قانوني وحقوقي كبير قاده المحامي خالد طارق شيخ رفقة مجموعة من المحامين منهم المحامي والناشط الحقوقي عبدالرحمن برمان، الذين ظلوا يتابعون قضيتنا وينسقون مع السفارة بطهران وفي صنعاء وعدن طوال فترة احتجازنا وحتى نلنا الحرية.
رحلة العودة.. والفرج من طهران
الثوري: كيف جاء قرار الإفراج الفعلي والترحيل؟
الكابتن محبوب: السفارة اليمنية في طهران ظلت لعام ونصف تجري وتسعى لاخراجنا بعد الله. وفي يوم الأربعاء الموافق 7 أكتوبر 2025، تفاجأت بزميلي محمود يحمل قرار الإفراج ويصيح لي. كانت مشاعر لا توصف، حتى أن بقية المساجين من جنسيات أخرى ذهلوا، فقضايا الديزل في إيران أعقد من المخدرات والقتل.
نقلونا إلى طهران وظللنا هناك شهرين في سكن السفارة بانتظار تجديد الجوازات وحل مشكلة “ختم الدخول” لأننا سُحبنا من البحر ولم ندخل رسمياً، وبعد تعقيدات طويلة، سمحت لنا الجوازات الإيرانية بالخروج والمغادرة وسافرنا إلى إسطنبول. وفي مطار إسطنبول واجهنا عقبات ترانزيت مع السلطات المصرية كادت تعيد محمود إلى طهران، لكن تدخل السفارة اليمنية بأنقرة حل المشكلة، وسافر محمود قبلي للقاهرة، ثم لحقت به إلى مصر ومن ثم إلى الإسكندرية حيث أقيم مع أسرتي هناك، دون مشاكل بعد 3 سنوات من الجحيم.
“معركة الحقوق الضائعة”.. مقاضاة المُلّاك في دبي ولندن وأثينا
الثوري: بعد الخروج من السجن، تبرز قضية أخرى لا تقل مرارة، وهي مستحقاتكم المالية الضائعة.. أين تقف هذه القضية اليوم؟
الكابتن محبوب: نحن اليوم نواجه فصلاً جديداً من المعاناة وهي قضية “الحقوق الضائعة”. لي ولجميع زملائي البحارة اليمنيين حقوق ومستحقات مالية ومرتبات متأخرة ومحتجزة لدى شركة “سانت جيمس شيبنغ ليمتد” (Saint James Shipping Ltd) المالكة للناقلة “إريانا”، وكذلك لدى مُلّاك السفينة بشركة “SFI”، وهي عن فترة عملنا الرسمية على متن السفينة بموجب عقود قانونية قبل حادثة الاحتجاز. هذه المرتبات لم تُصرف حتى يومنا هذا، ولم تتم أي تسوية أو معالجة رسمية لها من قبل الشركات التي أدارت ظهرها لنا.
لذلك، أنا ومساعدي الكابتن محمود وحيد وبقية البحارة، قررنا ألا تضيع حقوقنا، وتحركنا بالفعل لتوكيل محامٍ لرفع وتحريك دعوى قضائية دولية ضد الشركة في مقراتها الرئيسية في دبي ولندن وأثينا لنيل واستخراج مرتباتنا المنهوبة.
الثوري: وما الذي تحتاجونه اليوم لإنجاح هذه المعركة القانونية واستعادة مستحقاتكم؟
الكابتن محبوب: هذه القضية بحاجة إلى إسناد حقيقي. نحن نطالب وبشدة أي جهة يمنية رسمية ومسؤولة في الدولة بأن تتبنى وتتابع هذا الموضوع لمساعدتنا في الحصول على حقوقنا. رفع دعاوى قضائية في محاكم دبي ولندن وأثينا يتطلب دعماً مادياً وقانونياً كبيراً تفوق قدراتنا كبحارة خرجوا من السجن، ولذا نناشد الجهات المعنية بالدولة والمسؤولين للوقوف معنا لمقاضاة هذه الشركات واستعادة كرامة وحقوق البحار اليمني.
رسائل الختام
الثوري: بعد هذه الرحلة القاسية.. ما هو الدرس الأكبر؟
الكابتن محبوب: تعلمت أن الحرية هي أغلى ما في الوجود. كنت أنظر من نافذة السجن وأقول إن الإنسان الذي ينام على كرتون في الشارع هو ملك ومحسود من ملايين البشر وراء القضبان. لقد اقتربت من الله أكثر، وعرفت قيمة التضامن الشعبي.
الثوري: كلمة أخيرة عبر “صحيفة الثوري”؟
الكابتن محبوب: كتبت اسمي في “جوجل” وذهلت بحجم التضامن في الصحافة والإعلام والفيسبوك، وشعرت بمدى ديني لكل إنسان رفع صوته لأجلنا. أشكر وزارة النقل، والهيئة العامة لشؤون البحرية، ووزارة الخارجية، والسفارة في طهران، وقريبي طه العامري، والمحامي خالد طارق شيخ، والمحامي والناشط الحقوقي عبدالرحمن برمان.
وأخص بالشكر الجزيل لـ“صحيفة الثوري” وهيئة تحريرها وللصحفي باسل أنعم الذي كلّف نفسه مجهوداً جباراً وكان يتابعنا ويتواصل معنا ونحن داخل السجن ببندر عباس منذ معرفته بقضيتنا ومظلوميتنا ومن ثم بعد الإفراج عنا ونقلنا إلى طهران، وترحيلنا من إيران إلى إسطنبول، وجعلها قضية رأي عام. وهي أيضا رسالتي الأخيرة لعائلتي التي ظنت أنني سأقضي 15 سنة خلف القضبان: “انتهى الكابوس، وعاد العيد لدارنا”، ولنا لقاء قريب وجهاً لوجه في اليمن بإذن الله.

