آخر الأخبار

spot_img

معضلة الطاقة في عدن: جدلية الصمود الفردي وغياب الرؤية الوطنية

(عدن) – “صحيفة الثوري”:

تقرير خاص

أصبحت مدينة عدن اليوم ساحة لاختبار حقيقي لمرونة المجتمعات المحلية في مواجهة الانهيار الهيكلي لقطاع الخدمات العامة، حيث لم يعد التحدي مقتصراً على ندرة الموارد، بل امتد ليتجاوز أزمة الكهرباء كخدمة أساسية إلى أزمة عدالة في الوصول إلى مصادر الطاقة البديلة. ففي مدينة تسجل فيها درجات الحرارة مستويات قياسية، تتزامن مع رطوبة خانقة، تحولت الطاقة الشمسية من خيار تقني تكميلي إلى عقد اجتماعي اضطراري فرضته الفجوة الكبيرة بين حاجة السكان وعجز المحطات الحكومية عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الضرورية، ما أدى إلى بروز ظاهرة الاستثمار الفردي في هذا القطاع كآلية بقاء وحيدة.

وأحدث هذا التحول تغيراً ملموساً في الميزانيات الأسرية، إذ تراجع الاعتماد على المولدات التجارية التي كانت تستنزف جزءاً كبيراً من الدخل نتيجة تقلبات أسعار الوقود وتكاليف الصيانة، ليحل محلها الاستثمار في منظومات الطاقة الشمسية باعتبارها وسيلة لتحقيق قدر من الاستقلال الطاقي للأسر.

غير أن هذا التحول لم يكن عادلاً في توزيع آثاره، إذ خلفت التكاليف الأولية الباهظة لتركيب منظومات كفؤة فجوة طبقية تتسع بين الأسر الميسورة التي تمتلك طاقة مستقرة، والأسر الفقيرة التي تجد نفسها عاجزة عن اقتناء هذه الأنظمة، ما يضطرها إلى اللجوء لأنظمة منخفضة الجودة وسريعة التلف، الأمر الذي يضعها في دائرة إنفاق مستمرة تزيد من وطأة الأعباء الاقتصادية عليها، في وقت تعاني فيه هذه الفئات من الحرمان من أبسط وسائل التبريد التي باتت ضرورة حيوية وليست رفاهية.

ويتجلى الأثر الاجتماعي لهذه المنظومات بوضوح عند تتبع انعكاساتها على الفئات الأكثر ضعفاً، إذ وفرت الطاقة الشمسية طوق نجاة للمرضى وكبار السن، حيث ساعدت في تشغيل أجهزة التنفس ومراوح التبريد، ما حال دون تدهور حالاتهم الصحية الناتجة عن الإجهاد الحراري.

وفي السياق ذاته، شكلت هذه الطاقة ملاذاً آمناً للأطفال والرضع الذين كانوا الأكثر تضرراً من الانقطاعات المتكررة، حيث خففت عنهم حدة الحرارة ومنحتهم بيئة أكثر استقراراً للنوم والنشاط.

كما امتد أثر هذه التحولات إلى دور العبادة، كالمساجد التي أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة الشمسية لضمان استمراريتها كمنارات اجتماعية، إضافة إلى بعض مدارس التعليم الخاصة والمصانع والشركات التي وجدت في الألواح الشمسية وسيلة لتقليل تكاليف الإنتاج والتشغيل، ما ساهم في استمرار دوران عجلة الاقتصاد المحلي تحت وطأة تحديات الطاقة.

وعلى الرغم من أهمية هذه المبادرات، فإن الواقع التقني يفرض تحديات جسيمة، حيث تظل بطاريات الليثيوم والجل حجر الزاوية في هذه المنظومات، لكنها تتحول إلى نقاط ضعف في مناخ عدن الحار.

وأثبتت بطاريات الليثيوم كفاءة نسبية مقارنة ببطاريات الجل التي تتعرض للتلف بصورة أسرع، ومع ذلك يظل غياب المعايير الرقابية سبباً رئيسياً في المخاطر التي تهدد سلامة المستخدمين، إذ إن غياب التهوية والبرمجة الفنية الدقيقة قد يحول تلك المنظومات إلى مخاطر محتملة، فضلاً عن كونها عبئاً بيئياً متراكماً نتيجة غياب استراتيجية حكومية لإعادة التدوير.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل مظاهر سوء الاستخدام التي تستنزف الموارد، مثل الإسراف في ضخ المياه الجوفية للمزارع في أطراف عدن، ما يهدد الأمن المائي للمدينة.

وتظل المعضلة الأساسية كامنة في الفراغ الرقابي، إذ يفتقر هذا القطاع الناشئ إلى أي إطار فني أو مواصفات قياسية وطنية، ما يجعل المستهلك عرضة لعمليات الغش التجاري عبر استيراد أجهزة بمواصفات وهمية، خاصة في ظل غياب ضبط الأسعار الذي يفتح الباب أمام الاحتكار واستغلال الحاجة الملحة.

وهنا تتضح الحاجة إلى دور حكومي يتجاوز إنشاء المحطات المتهالكة، ليشمل فرض رقابة صارمة على السوق، وإلزام المستوردين بتقديم كفالات حقيقية، إلى جانب التوجه نحو الربط الذكي وتحويل المبادرات الفردية إلى شبكات مناطقية مصغرة تقلل التكاليف وترفع الكفاءة، مع وضع استراتيجية وطنية لإدارة النفايات الإلكترونية الناتجة عن هذه المنظومات.

إن تجربة عدن مع الطاقة الشمسية تمثل صراعاً حقيقياً بين وعي المواطن الباحث عن النجاة، وبين غياب التخطيط الإداري والسياسي، وستظل هذه المبادرات مجرد حلول مؤقتة ما لم تتحول إلى استراتيجية وطنية متكاملة تحمي المواطن، وتضبط أسعار هذه الخدمة الحيوية، وتضمن حق الفقراء والمهمشين في الوصول إلى مصدر طاقة عادل.

فاستمرار الفوضى الحالية في قطاع الطاقة يعني استمرار استنزاف الموارد وضياع فرص التنمية الحقيقية، بينما يتطلب المستقبل رؤية استشرافية تعيد الاعتبار لخدمات الدولة بوصفها مظلة للعدالة الاجتماعية، لا مجرد مراقب غائب في مشهد خدمي مأزوم.

وتُعد السياسة العامة المتعلقة بقطاع الكهرباء في عدن نموذجاً دالاً على غياب التخطيط التكاملي، حيث تسبب الاعتماد المزمن على الوقود الأحفوري المستورد أو المحلي لتشغيل المحطات المركزية المتهالكة في خلق بيئة طاردة للاستقرار الخدمي، ما دفع المواطنين نحو حلول فردية بديلة فرضت واقعاً اقتصادياً جديداً، أدى بدوره إلى نشوء تفاوتات حادة في القدرة على الوصول إلى الخدمة بين شرائح المجتمع.

إذ أدت السياسة الحكومية القائمة على إدارة الأزمة بدلاً من إدارة الموارد إلى ترك السوق للمبادرات العشوائية، ما تسبب في استنزاف الملاءة المالية للأسر الفقيرة التي تقع ضحية للغش التجاري في أجهزة طاقة شمسية غير مطابقة للمواصفات، بينما أدى غياب الضبط السعري والرقابة على جودة البطاريات والمعدات إلى هدر اقتصادي كبير يمس الأمن القومي والمائي، كما يتضح في حالة الإفراط في ضخ المياه الجوفية في ضواحي المدينة عبر أنظمة الطاقة الشمسية غير المقننة.

إن هذا التوجه نحو الاستثمار الفردي، رغم كونه وسيلة نجاة، إلا أنه يفتقر إلى مظلة مؤسسية تحمي المستهلك، فالسياسات الحالية لا تزال تتجاهل ضرورة تحويل هذه الجهود المبعثرة إلى مشروعات طاقة مشتركة أكثر كفاءة، ما يعمق من أثر التبعية التقنية للخارج، ويحول الألواح والبطاريات إلى عبء بيئي يتراكم في ظل غياب استراتيجية وطنية لإعادة التدوير.

وبالتالي، فإن غياب السياسة الفاعلة في ضبط هذا التحول لا يقتصر أثره على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد لتعزيز التهميش الاجتماعي، حيث يظل الفقراء خارج دائرة الاستفادة من الطاقة المستدامة نتيجة غياب الدعم الحكومي أو التسهيلات الائتمانية، الأمر الذي يجعل من الفوضى الحالية في قطاع الطاقة مرآة لعجز الدولة عن تقديم الخدمات بوصفها حقاً من حقوق المواطنة، ومؤشراً على استمرار نزيف الموارد في غياب رؤية وطنية تعيد ترتيب الأولويات لصالح استقرار مستدام، ومعدل نمو خدمي يحفظ للمجتمع توازنه الاقتصادي والاجتماعي.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img