صحيفة الثوري – كتابات
خالد طربوش
يستخدم متكسبو الشرعية الحديث عن المركز القانوني للدولة إلى غطاء لغوي رخيص تمرر من خلاله ممارسات تناقض جوهر الدولة نفسها. من يلوكون هذا المصطلح صباح مساء هم ذاتهم من يفرغونه من مضمونه، يتحدثون عن الدستور والقانون بينما يتعاملون معه كأداة انتقائية يستعملونها فقط عندما تخدم مصالحهم.
الكارثة ليست النصوص بل في من يحتكرون ابتزازًا بتفسيره، فالدستور لا يشرعن الامتيازات المفتوحة التي ينعمون بها ولا يبرر تحويل الوظيفة العامة إلى مصدر إعاشات ونثريات بلا ضابط، ولا يمنح أحدًا حق التمركز في موقعه لسنوات وهو خارج البلد تارك مؤسسات الدولة شاغرة. ما يحدث ليس خللًا إداريًا عابرًا بل انحراف ممنهج يضرب فكرة الدولة في أساسها.
السلطة والدستور هي مسؤولية حضور لا غياب. أن تدار الدولة من الخارج ويتحول كبار المسؤولين مستشارين نواب ووكلاء ومدراء إلى مجرد أسماء على كشوف المرتبات، فهذه ليست فقط مخالفة قانونية بل إخلال مباشر بالأمانة الوطنية. من يمارس ذلك لا يمكنه في الوقت نفسه الادعاء بحماية المركز القانوني للدولة لأنه أول من يفشله.
الأسوأ أن هذه المنظومة أعادت إنتاج نفسها عبر شبكة مصالح مغلقة، طبقة سياسية وإدارية تحولت إلى كيان معزول عن المجتمع همها الحفاظ على مواقعها أو الانتقال إلى مواقع أكثر ربحًا: سفارات، وزارات أو أي امتياز آخر. في هذا السياق لم يعد الفساد مجرد سلوك فردي بل أصبح بنية قائمة بذاتها تتغذى على إضعاف مؤسسات الدولة وتهميش الفاعلين الحقيقيين في المجتمع.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن إرث المرحلة السابقة، كثير ممن يتصدرون المشهد اليوم بل أكثرهم كانوا جزءًا من منظومة علي عبد الله صالح واستفادوا من بنيتها، بل ومنهم من ساهموا تلبية لعفاش في إضعاف المجتمع المدني وفعالياته السياسية وإخراجها من معادلة التأثير، ثم يعودون اليوم بخطاب المظلومية وكأنهم خارج السياق الذي صنعوه بأيديهم.
النتيجة أن الدولة تدار بعقلية الغنيمة لا بعقلية المسؤولية، وأن المركز القانوني لم يعد إطارًا ناظمًا للسلطة بل أداة تبرير لانحرافها، وفي ظل هذا الواقع يصبح الحديث عن الدستور بلا معنى ما لم يربط بمبدأ بسيط: من لا يحضر ليؤدي واجبه ولا يلتزم بحدود موقعه لا يملك أي شرعية للبقاء فيه لا قانوناً ولا سياسياً.











