آخر الأخبار

spot_img

إغتيال جارالله عمر … إغتيال للحوار.. إغتيال للوطن

صحيفة الثوري- كتابات: 

أحمد الحاج

في الذكرى الثالثة والعشرين لاستشهاد المناضل الوطني الكبير جار الله عمر، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني، يقف اليمنيون ومعهم كل المؤمنين بقيم الحرية والديمقراطية أمام سيرة رجلٍ لم يكن عابرًا في تاريخ السياسة اليمنية، بل شكّل علامة فارقة ومشروعًا وطنيًا متكاملًا، ما تزال أفكاره ومواقفه حاضرة بقوة، خصوصًا في ظل ما يعيشه اليمن اليوم من أزمات وانقسامات وحروب.

لقد جاء استشهاد جار الله عمر في لحظة سياسية شديدة الحساسية، وهو يعتلي منبر الحوار، حاملًا خطاب التعايش والتعددية، في مشهدٍ إختزل مسيرته الفكرية والنضالية بأكملها، لم يُغتل الرجل لأنه كان ضعيفًا أو هامشيًا، بل لأنه كان قويًا بفكره، واضحًا بمواقفه، ومؤمنًا بأن العنف لا يمكن أن يكون وسيلة لبناء الأوطان، وأن الخلاف السياسي يجب أن يُدار بالحوار لا بالرصاص.

وُلد جار الله عمر من رحم المعاناة الوطنية، وتكوّن وعيه السياسي في سياق نضالي صعب، حيث تداخلت قضايا التحرر الوطني مع معارك العدالة الاجتماعية وبناء الدولة، انحاز مبكرًا إلى قضايا الفقراء والمهمشين، وإلى فكرة الدولة المدنية التي تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، ولم يكن انتماؤه للحزب الاشتراكي اليمني انتماءً تنظيميًا فحسب، بل كان تعبيرًا عن قناعة فكرية راسخة بضرورة التغيير الاجتماعي والسياسي السلمي.

تميّز الشهيد جار الله عمر بقدرة نادرة على الجمع بين الصلابة المبدئية والمرونة السياسية، كان واضحًا في رفضه للاستبداد والفساد، وفي الوقت ذاته منفتحًا على الحوار مع مختلف القوى السياسية والفكرية، إيمانًا منه بأن اليمن لا يمكن أن يُدار بعقلية الإقصاء، ولا يمكن أن يُبنى على أنقاض الآخر. وقد شكّل هذا النهج أحد أبرز ملامح شخصيته، وجعله محل احترام حتى من خصومه السياسيين.

بعد تحقيق الوحدة اليمنية، لعب جار الله عمر دورًا محوريًا في الدفاع عن التعددية السياسية والحزبية، واعتبرها مكسبًا وطنيًا لا يجوز التفريط به، وخلال سنوات ما بعد حرب 1994، كان من الأصوات القليلة التي واجهت نتائج الحرب بشجاعة، ورفضت سياسة الإقصاء والاستحواذ، داعيًا إلى مصالحة وطنية حقيقية، وإلى شراكة سياسية عادلة تحفظ لليمن وحدته واستقراره.

لم يكن موقفه من الديمقراطية موقفًا شعاريًا أو تكتيكيًا، بل خيارًا استراتيجيًا، آمن بأن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل منظومة متكاملة تشمل احترام الحقوق والحريات، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، وضمان التداول السلمي للسلطة، وكان يرى أن أي حديث عن الاستقرار دون عدالة ودون مشاركة حقيقية هو استقرار زائف سرعان ما ينهار.

ومن أبرز إسهاماته الفكرية والسياسية، دعوته المستمرة إلى الحوار بين التيارات السياسية والفكرية المختلفة، بما فيها التيارات الإسلامية، لم ينظر إلى الخلاف الأيديولوجي باعتباره صراع وجود، بل اختلافًا في الرؤى يمكن إدارته ضمن إطار وطني جامع، وقد تجسدت هذه القناعة في مواقفه العملية، وفي مشاركته الفاعلة في بناء تحالفات سياسية عريضة، سعيًا لكسر الاستقطاب الحاد وحماية المسار الديمقراطي.

لقد كان الشهيد يدرك مبكرًا خطورة العنف السياسي وخطاب الكراهية، وحذّر مرارًا من أن إغتيال السياسة سيقود حتمًا إلى إغتيال الوطن، وكانت كلماته بمثابة إنذار مبكر لما وصل إليه اليمن لاحقًا من حروب وانقسامات، ومن المؤلم أن كثيرًا مما حذّر منه قد تحقق، وكأن استشهاده كان إيذانًا بدخول البلاد مرحلة مظلمة من تاريخها.

جاء اغتيال جار الله عمر ليشكّل صدمة وطنية عميقة، ليس فقط للحزب الاشتراكي اليمني، بل لكل القوى الديمقراطية والمدنية، فقد أدرك اليمنيون حينها أن الرصاص لم يستهدف شخصًا بعينه، بل استهدف فكرة الحوار ذاتها، واستهدف إمكانية التعايش السياسي السلمي، ومع ذلك تحوّل استشهاده إلى طاقة رمزية هائلة، أعادت التأكيد على أن الأفكار لا تُغتال، وأن الدم قد يهزم الجسد لكنه يعجز عن قتل القيم.

بعد ثلاثة وعشرين عامًا على استشهاده، يبدو جار الله عمر أكثر حضورًا من أي وقت مضى، فاليمن الذي كان يحلم به يمن الدولة المدنية، والحوار، والشراكة، والعدالة ما يزال مشروعًا مؤجلًا، لكنه لم يمت، وتبقى أفكاره مرجعية أخلاقية وسياسية لكل من يبحث عن مخرج وطني من الأزمة، ولكل من يؤمن بأن السلام لا يصنعه السلاح بل تصنعه الإرادة السياسية الصادقة.

إن استحضار ذكرى استشهاد جار الله عمر اليوم ليس فعل حنين إلى الماضي، بل فعل مقاومة للواقع القائم، وتجديد للعهد مع قيمه ومبادئه، هو دعوة لإعادة الاعتبار للسياسة كعمل نبيل، وللحوار كخيار لا بديل عنه، وللوطن كمساحة جامعة لا يملكها حزب ولا جماعة ولا سلالة.

وفي هذه الذكرى، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق النخب السياسية والثقافية، وعلى الأجيال الجديدة بشكل خاص، في قراءة تجربة جار الله عمر بعمق، لا بوصفها سيرة شخص، بل باعتبارها مشروعًا وطنيًا قابلًا للتجدد، فالرجل لم يكن معصومًا من الخطأ، لكنه كان صادقًا مع نفسه ومع وطنه، وهي قيمة نادرة في زمن الالتباس.

فإن الشهيد جار الله عمر سيظل رمزًا للفكر التنويري، وللنضال السلمي، وللإيمان العميق بأن اليمن لا يمكن أن ينهض إلا بجميع أبنائه، دون إقصاء أو تهميش، ستظل ذكراه حيّة ما بقي في هذا الوطن من يحلم بالحرية، ويؤمن بالديمقراطية، ويقاوم العنف بالكلمة، والاستبداد بالفكرة.

الرحمة والخلود للشهيد جار الله عمر، والمجد لكل من سار أو ما يزال يسير على دربه.