«صحيفة الثوري» – (رأي):
إلهام محمد زارعي
قالت أمٌّ يمنية نازحة من تعز وهي تستعيد ليلة فرارها مع أطفالها: «أُجبرنا على النزوح في ظلام الليل. لم نكن نستطيع حتى رؤية الطريق التي نسلكها. كانت الرصاصات تحلّق فوق رؤوسنا، والقذائف تتساقط من حولنا، وكل شيء كان ينهار».
توقفت طويلًا أمام كلماتها، ليس لأنها حكاية حرب جديدة، بل لأنها أعادت إلى ذاكرتي أمًّا لاجئة عرفتها في أحد المخيمات هنا في أوروبا، وصلت مع بناتها في ظروف تكاد تشبهها؛ كانت قد حلقت شعر بناتها خوفًا من أن يتعرضن للاعتقال، ثم بدأت معهن رحلة أخرى لم تكن أقل قسوة من الهرب: رحلة إقناع القلب بأن الخطر انتهى.
راقبت البنات وهن يندمجن شيئًا فشيئًا في بيئتهن الجديدة؛ تعلمن، ولعبن، وضحكن، وبدأن يستعدن تفاصيل الحياة، لكنني اكتشفت معهن أن الإنسان قد يغادر الحرب، بينما تحتاج الحرب وقتًا طويلًا كي تغادره. كانت المدرسة حين تعلن فجأة عن رحلة مدرسية، يفرح الأطفال، بينما هنّ يبكين؛ لأن كلمة «سنذهب» لم تكن تعني في ذاكرتهن حافلة ونزهة ومكانًا جميلًا، بل كانت تعيدهن إلى تلك الليلة التي غادرن فيها البيت وسط إطلاق النار، دون أن يعرفن إلى أين يذهبن، أو إن كنّ سيعدن يومًا.
ومنذ أن قرأت شهادة تلك الأم اليمنية، وأنا لا أفكر فقط في الطريق المظلم الذي عبرته وهي تحاول حماية أطفالها، بل في الأطفال أنفسهم: ماذا خزّنت ذاكرتهم الصغيرة من تلك الليلة؟ ماذا سيعني لهم غدًا صوتٌ مرتفع، أو حقيبة تُجهّز على عجل، أو باب يُطرق ليلًا، أو أم تقول فجأة: «هيا، علينا أن نغادر»؟
الحرب لا تهدم البيوت فقط؛ أحيانًا تهدم داخل الطفل أبسط يقين عرفه في حياته: أن البيت هو المكان الذي لا نُجبر على الهرب منه، وأن يد أمه حين تمسك بيده تقوده إلى المدرسة أو الحديقة، لا إلى طريق مجهول تحت الرصاص.
لهذا، حين نقرأ أرقام النازحين، علينا أن نتذكر أن خلف كل رقم ذاكرة صغيرة قد تحمل ليلة كاملة من الخوف. فالطفل قد يصل إلى مكان آمن، لكن الأمان نفسه قد يتأخر سنوات حتى يصل إلى داخله. وهنا يصبح للأسرة والمدرسة والمجتمع دور آخر: ألا يطلبوا من الطفل أن ينسى، بل أن يساعدوه على صناعة ذكريات جديدة تقول له بهدوء إن الرحلة قد تكون نزهة، وإن صوت الباب ليس دائمًا خطرًا، وإن الحقيبة قد تُحمل إلى المدرسة، وإن الغد ليس بالضرورة تكرارًا لتلك الليلة.
فالبيوت المهدمة يمكن أن تُبنى من جديد، والطرق يمكن أن تُعبّد، والنوافذ يمكن أن تُستبدل… لكن حين يتصدع الأمان داخل طفل، نحتاج جميعًا إلى أن نشارك في إعادة بنائه.
ولهذا، أمام حكايات النزوح في اليمن، ربما لا يكفي أن نسأل: إلى أين نزح الأطفال؟
هناك سؤال أشد وجعًا، وأعمق مسؤولية: إلى أين نزحت طفولتهم ، ومن سيعيدها إليهم؟
ودمتم سالمين


