آخر الأخبار

spot_img

البيت الذي يتعلّم..!!

صحيفة الثوري – (رأي)

إلهام محمد زارعي

نسأل الطفل حين يعود من المدرسة: ماذا تعلّمت اليوم؟

لكن من يسأل البيت في نهاية يومه: ماذا تعلّمت أنت اليوم؟

ربما كان أحد أوهامنا عن الأسرة أننا نظن أن الكبار فيها قد وصلوا، وأن الصغار وحدهم يتعلمون؛ الأب يعرف، والأم تعرف، والأبناء عليهم أن يستمعوا. والحقيقة أن الأسرة ليست مدرسة يقف فيها الوالدان أمام السبورة، بل مدرسة يجلس فيها الجميع، في أوقات مختلفة، على مائدة الحوار والمشورة.

فالأب يتعلم الأبوة مع كل مرحلة من أعمار أبنائه، والأم تتعلم أن المحبة تحتاج إلى فهم، والزوجان يتعلمان أن نجاح الحياة المشتركة ليس في غياب الاختلاف، بل في معرفة كيف يختلفان دون أن يجرح أحدهما الآخر.

البيت الحي ليس البيت الذي لا يخطئ، بل البيت الذي يعرف كيف يتعلم من خطئه.

وهذا ما تحتاجه الأسرة اليمنية اليوم أكثر من أي وقت مضى.

لقد تغيرت الحياة من حولنا؛ ضاقت أحوال، وتفرقت أسر، وتبدلت أدوار، ودخلت التكنولوجيا غرفنا، وكبر أطفال في عالم مختلف تمامًا عن طفولة آبائهم. لذلك لا يمكن أن ندير بيت اليوم بكل إجابات الأمس.

وهذا لا يعني أن نهدم ما ورثناه، ولا أن نقدّسه كله. الحكمة أن نسأل: ما الذي يستحق أن نحمله معنا إلى المستقبل؟ وما الذي أدى دوره في زمن سابق ولم يعد صالحًا لزمن أبنائنا؟

وهنا يصبح التشاور ضرورة عائلية، لا كلمة جميلة.

أن يسمع الأب أبناءه دون أن يفقد مكانته، وأن تقول الأم ما تحتاجه دون أن تشعر أن التضحية تعني الاختفاء، وأن يتعلم الطفل أن صوته مسموع، لكن ليس كل ما يريده حقًا واجب التنفيذ.

فالأسرة في حقيقتها تدريب مبكر على المجتمع.

حين يرى الطفل والديه يختلفان باحترام، يتعلم التعايش. وحين يُسمع رأيه ويُطلب منه أن يسمع غيره، يتعلم التشاور. وحين يشارك في خدمة البيت، يتعلم المسؤولية. وحين يسمع أهله يتحدثون باحترام عن المختلف، تكبر في قلبه مساحة الـ«نحن».

وهكذا، قد يتعلم المجتمع أشياء عظيمة على مائدة عشاء صغيرة.

لسنا قادرين على أن نمنح أبناء اليمن عالمًا خاليًا من الصعوبات، لكننا قادرون على أن نمنح هذا العالم أبناءً يعرفون كيف يتعلمون من الصعوبة؛ لا أن يصبحوا أسرى لها.

لذلك لا نحتاج فقط إلى بيوت تصمد أمام الظروف، بل إلى بيوت تتعلم من صمودها؛ تسأل بعد الخطأ: ماذا تعلمنا؟ وبعد الخلاف: ماذا كان يمكن أن نفعل أفضل؟ وبعد الأزمة: ماذا اكتشفنا في بعضنا؟

وربما يكون أجمل ميراث نتركه لأبنائنا ليس بيتًا لم يعرف المشكلات، بل بيتًا عرف كيف يحوّل مشكلاته إلى معرفة، واختلافاته إلى فهم، وأيامه الصعبة إلى قدرة أكبر على الرحمة. وعند نهاية اليوم، لعل السؤال الأهم ليس:

ماذا تعلّم أبناؤنا اليوم؟

بل:

ماذا تعلّم بيتنا اليوم ؟ وماذا سيضيف غدًا إلى اليمن؟

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img