«صحيفة الثوري» – (رأي):
إلهام محمد زارعي
ربما تنسى أسماءنا، لكنها لا تنسى ما نتركه فيها. يدٌ زرعت، وجارٌ أعان جاره، وإنسانٌ احترم المختلف عنه، وكلمةٌ أطفأت خصومة قبل أن تصبح حريقًا.
فالمدينة ليست شوارع ومباني فقط؛ إنها ذاكرة أخلاقية مشتركة، يكتب كل مواطن سطرًا فيها كل يوم. حين يحترم دوره في الطابور، ويحافظ على مكان عام، ويؤدي عمله بأمانة، ويختلف دون أن يهين، فهو لا يمارس فضيلة شخصية فحسب؛ بل يشارك في بناء أخلاق المدينة. فالمدن، بطريقة عجيبة، تشبه أهلها.
لكن إنسان اليوم يسكن مدينتين: مدينةً يمشي في شوارعها، وأخرى يدخلها من شاشة هاتفه.
وسائل التواصل الاجتماعي هي أيضًا مدن؛ الصفحات ساحاتها، والمجموعات أحياؤها، والمنشورات أصوات سكانها، والتعليقات لقاءات يومية بين غرباء. ومن يدخل مدينة، حتى وإن كانت افتراضية، لا ينبغي أن يخلع أخلاقه عند بوابتها.
وفي هذه المدن قد ندخل بأسمائنا الحقيقية، وقد نختار أسماءً مستعارة. وليس الاسم المستعار في ذاته مشكلة؛ فقد تكون وراءه خصوصية أو ظرف أو رغبة مشروعة في عدم الظهور. فالفضيلة لا تحتاج إلى بطاقة هوية كي تكون فضيلة. تستطيع أن تخفي اسمك دون أن تخفي احترامك ومبادئك، وأن تكون مجهولًا دون أن تصبح مؤذيًا. فالاسم قد يكون مستعارًا، أما أثر الكلمة فلا يستعير أثرًا؛ إنه يبقى حقيقيًا في قلب من وصلت إليه.
والمبادئ الأخلاقية التي تضبط لقاءنا بالناس وجهًا لوجه، جديرة بأن تضبط لقاءنا بهم خلف الشاشات أيضًا: تجنّب الغيبة والتشهير بالآخر، والتحقق قبل النشر، والاعتدال واللباقة والتواضع، والابتعاد عن المبالغة والإثارة، وألّا نحول الاختلاف إلى معسكرين دائمين من «نحن» و«هم».
الغريب أننا لا نرمي القمامة في بيت جارنا، لكن بعضنا يرمي كلمة جارحة في صفحته. نستأذن قبل دخول البيوت، ثم نقتحم خصوصيات الناس إلكترونيًا. ونخجل من إهانة إنسان أمامنا، لكن الشاشة أحيانًا تمنحنا جرأةً لا تستحق أن تسمى شجاعة.
لقد نسينا أن خلف كل حساب إنسانًا؛ له قلب وقصة وحياة كاملة، بينما نحن لا نعرف عنه ربما إلا منشورًا واحدًا.
والكلمة أيضًا نوع من العمران؛ كلمة تبني جسرًا، وأخرى تحفر خندقًا. كلمة تجمع قلبين، وأخرى تزرع عداوة بين مئات البشر، ثم ينام صاحبها معتقدًا أنه لم يفعل شيئًا سوى الضغط على زر.
لذلك، لعلنا بحاجة إلى توسيع معنى المواطنة والتعايش. فالمواطن الصالح لا يحافظ على نظافة شارع مدينته فقط، بل يحافظ على نظافة المساحة الإنسانية المشتركة؛ لا يلوّثها بتعصب، ولا يضيّقها على المختلف، ولا يجعل من الدين أو الأصل أو اللون أو الرأي جدارًا بينه وبين الآخرين أينما كان؛ في البيت، والشارع، والعمل، وخلف الشاشة. فالمواطنة لا تُقاس فقط بمقدار حبنا للمدينة، بل بمقدار الأمان الذي يشعر به الآخر وهو يعيش فيها معنا.
والتعايش الحقيقي لا يُختبر بين المتشابهين؛ إنه يظهر حين نختلف وتبقى الكرامة بيننا.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: هل للمدينة ذاكرة أخلاقية؟
بل: ماذا ستتذكر مدننا منّا؟
فالمدينة الحقيقية تحتفظ بأثر أقدامنا، والمدينة الرقمية تحتفظ بأثر كلماتنا. قد تختفي أسماؤنا، وقد تكون مستعارة أصلًا، لكن يبقى شيء واحد لا يعرف الاستعارة: الأثر.
فطوبى لمن مرّ بمدينة، حقيقية كانت أو رقمية، وتركها أكثر إنسانية مما وجدها.
ودمتم بالمحبة.


