«صحيفة الثوري» – (رأي):
د. فائزة عبدالرقيب
من اللافت أن وتيرة التحضيرات لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي قد تباطأت، فهل أعادت التطورات العسكرية والأمنية ترتيب الأولويات، بحيث أصبح الردع العسكري في مواجهة جماعة الحوثي أكثر استعجالاً وأهمية من استكمال المسار السياسي الجنوبي؟
وفي إطار ما يتداوله البعض عن تأجيل انعقاد المؤتمر الجنوبي-الجنوبي، وأن الأخ أحمد الميسري لم يحصل بعد على الضوء الأخضر من الجانب السعودي لاستكمال إجراءات الإعلان عن موعد انعقاد المؤتمر، وربط ذلك بمنح الأولوية لمعركة الردع العسكري، فإن الأمر، في الواقع، لا ينفصل عن طبيعة المرحلة التي يعيشها اليمن. فتصاعد التهديد الحوثي، وما يرتبط به من تهديد للدولة والمواطن والممرات البحرية والأمن الإقليمي، جعل استعادة زمام المبادرة والقدرة على الردع أولوية لا تحتمل التأجيل، ومن الطبيعي أن تتقدم الحسابات العسكرية والأمنية عندما يصبح الخطر أكثر إلحاحاً.
إن أولوية الردع لا تعني أن الحوار الجنوبي يفقد أهميته، كما أن تباطؤ التحضيرات، إن صح ذلك، لا يعني بالضرورة التخلي عنه. فقد يكون الأمر إعادة ترتيب مؤقتة للأولويات، أو انتظاراً لتهيئة ظروف سياسية أفضل تضمن أن يكون المؤتمر مدخلاً إلى تفاهمات حقيقية، لا مجرد لقاء ينتهي ببيان وتوصيات.
فالجنوب يضم قوى ومكونات متعددة، تختلف في رؤيتها لشكل الدولة ومستقبل الجنوب وطبيعة العلاقة مع بقية اليمن، وبعضها خرج من سنوات طويلة من الصراع والخصومة. ولذلك، فإن نجاح الحوار لا يتوقف على عقد المؤتمر بقدر ما يتوقف على القدرة على إعداده سياسياً، وطرح أسئلة واضحة يمكن أن تتحول الإجابة عنها إلى نقاط اتفاق قابلة للبناء عليها.
ومن هنا، فإن الضامن الحقيقي لانعقاد المؤتمر لا يتعلق بمجرد تحديد موعده، وإنما بمدى قدرة الميسري على بناء أرضية سياسية تجمع المختلفين حول قواسم مشتركة، وتمنح الحوار فرصة لإنتاج نتائج تتجاوز البيانات إلى تفاهمات قابلة للحياة، في ظل مناخ سياسي أكثر صفاءً، بعيداً عن الضغوط الأمنية والعسكرية والسياسية التي تزيد من تعقيد المشهد اليمني إجمالاً.
وفي المقابل، فإن تأجيل معالجة الخلاف الجنوبي إلى ما بعد انتهاء الحرب مع الحوثيين قد يكون خطأً سياسياً كبيراً؛ فكلما طال الفراغ السياسي، تزداد فرص ترسيخ موازين أمر واقع جديدة، وتصبح أي تسوية لاحقة أكثر صعوبة، كما يصبح الوصول إلى تفاهم جنوبي جامع وتسوية سياسية مستقرة أكثر تعقيداً.
وعليه، لا ينبغي أن يصبح الردع العسكري بديلاً عن السياسة، ولا أن يتحول الحوار إلى ذريعة لتعطيل مواجهة الخطر الحوثي. فاليمن يحتاج إلى المسارين معاً، ولكن بوظيفتين مختلفتين: الردع لمنع فرض الأمر الواقع بالقوة، والحوار لمعالجة ما تعجز القوة عن حسمه.
لقد أثبت الحوثيون أن مشروعهم المسلح يمثل تهديداً يتجاوز حدود الخلاف السياسي الداخلي، ولذلك فإن مواجهتهم بالردع العسكري لا تتناقض مع فتح المجال أمام التسوية السياسية بين القوى اليمنية الأخرى.
المعادلة إذن ليست: الردع أم الحوار.
المعادلة الصحيحة هي: ردع يحمي الدولة من السلاح، وحوار يحمي مستقبلها من صراعات جديدة.
ولهذا، فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يكون في انتصار مسار على آخر، بل في أن يعمل الردع والحوار معاً؛ فالأول يمنح السياسة مساحة للحركة، والثاني يمنح الانتصار العسكري معنى سياسياً واستقراراً مستداماً.

