صحيفة الثوري – (رأي)
د. نجيب الورافي
نبهنا مرارا وتكرارا إلى خطورة هذا الوضع المستحدث والدخيل على المؤسسة الجامعية اليمنية، وفي عدد محدود جدا منها، ومدى تأثيره الضار والمضر على نظمها وأدائها وعلى وحدة كادرها بشقيه الأكاديمي الإداري والطلابي، إذ قد يمتد هذا الطاعون، ليشمل ضرره وعي قطاعها الطلابي، وجودة المخرج التعليمي، ونظام البحث العلمي وأهدافه ونتائجه..
مراكز قوى ولاء شخصي ملفوف بالكتمان والغموض، تتأسس وتتنامى في جامعاتنا حاليا، وبقدر ما تمثله من شذوذ في المظهر والولاء، أشبه بولاء عصابي مافياوي، يتنافى مع قيم المعرفة وأهدافها وأخلاقيات العاملين عليها من خبراء وعلماء فإنها، في نتائجها الكارثية أكثر خطرا من نظام العصابات، كل قوة لجماعة تتأسس على ولاء شخصي مصلحي، هي بمثابة كيان خارج القانون وأرضة فساد ومعول هدم فتاك للبنية التعليمية الجامعية وآلة تدمير مقوضة مزلزلة لنظمها ولمخرجها التعليمي ولهويتها ووحدتها الجامعة..
تنشأ مراكز قوى الولاء الخاص، عبر أفراد تربط بينهم علاقات ولاء خاص، خارج العلاقات الوظيفية للمؤسسة، أي سرية غير معلنة وخارج الأطر المؤسسية الرسمية، ويتواطأ أفرادها على وضع خطط وبرامج عمل نفعية مصلحية، تعود بالنفع حصرا على أفرادها، ولا تعني أحدا خارجها، ولا تخدم بأهدافها المؤسسة الوظيفية إلا في حدود مصلحة أفراد الجماعة، واستبعاد ما عداهم وتهميشهم..
في مناخ هذه القوى المستحدثة، تنتشر المحسوبية المنظمة ويتاح الدوس على النظم والقوانين المعمول بها، ويرمى بالمعايير وقواعد الاستحقاق ومبدأ التراتبية الوظيفية، في اختيار الكفاءات للمواقع القيادية عرض الحائط، لتحل الرشوة محل الكفاءة والمحسوبية محل اللوائح والنظم، وإلا فالبديل هو إشعال فتيل الصراعات والنزاعات بين أبنائها بلا منتهى!!
حين تتسع دائرة المركز الخاص، يصل نفوذه إلى مستوى قوة ضاغطة على موقع القرار والتحكم في قيادة الرأس والصف الأول للجامعة، لتتحول إلى دمى بيدها، وتصبح مصادر قرارات كل الشأن العلمي والأكاديمي طوع أمرها، فتفعل ما تشاء، دون أن تسأل عما تفعل، وقد يخضع السائل عن ذلك ويحال إلى موقع المساءلة!!
ظاهرة خطيرة مخيفة، ذات منشأ طفيلي وتشكيل خيطي مخطط ومدروس، تستشري بمثابة مرض عضال، أعراضه يعانيها كل فرد من هؤلاء قبل غيرهم، ومنها الضعف والفراغ الداخلي وعدم الثقة بالنفس وبالآخرين، وهيمنة هاجس التخطيط المسبق والشك في كل حركة وقول وفعل، وترويج أوهام تضخم الذات، وفي مقابلها النظرة الدونية للآخرين وإشاعة قصورهم، في ظل طغيان النزوع إلى الوصول السريع الى موقع التحكم والسيطرة.
كل أعراض الهشاشة والإدقاع الذاتي والمهني هذه، يتم تغطيتها بإشاعة خرافة التفوق في الإنجاز، وفق قانون الميكيافيلية اللئيمة: الغاية تبرر الوسيلة، ولو كان المقابل قتل مصلحة عامة ومنجز مؤسسي وطني، فالقتل والإزهاق هو إنجاز مكين، كثيرا ما يدعيه القتلة أيضا!!
وضمن وسائل التغطية، استعمال أقنعة الولاء لأصحاب القرار، والتفنن في إجادة التقية للوصول والاستحكام، ولو كان على حساب قيم المهنة، وذبح قوانين المؤسسة الجامعية ولوائحها، يرافق ذلك مطبخ إعلامي تسويقي، محتكر (يقلب الحبل حنش) ويصور القملة جملا والنملة جبلا!! أما من هم خارج نطاق الوباء، فيتم العمل على قلب الطاولة عليهم، ليشاع حولهم، بأنهم عاجزون وبأنهم المعقدون الحساد وأعداء النجاح..
يهيمن على هؤلاء المحسوبين، السلوك الانتهازي، ويقود كل منهم جشع المنصب، فهو يشعر أنه بدونه، وبدون القوة الممثلة المهيمئة، وبدون عائده المادي، ضعيف وأعزل من أي سلاح ومن أي إمكانات ذاتية، لذلك يسعى الفرد، ذو العمق الولائي الخاص، إلى أن يصل قبل غيره، غير عابئ بالقوانين والنظم الضابطة، ولا باستحقاقات الغير أيا كانت.
طرائف ونكات جمة، تتداولها الألسن حول تعدد المنصب القيادي للشخص الواحد في بعض الجامعات اليمنية!! لقد تعدى تعدد المنصب المزدوج، مثنى وخماس، حدود تعدد الزوجات في الشرع، بل أمام ضغط هؤلاء ونشاطهم المحموم في قرصنة المسؤولية، وجد رؤساء جامعات أنفسهم يمنحون صكوك إباحة وتحليل لما لم تبحه وتحلله شريعة الخالق، ولما اعتبرته قوانين السماء والأرض خطرا يصنع الفوضى وضررا يهدد أواصر القربى والنسيج العائلي والمجتمعي، وهو الجمع بين الأختين والأربع والخمس الأخوات، زوجات لشخص واحد، في وقت واحد!
شخص واحد، هكذا رأوه -والعهدة والعتب على النظر- أنه (عفريت سليمان) و(عنتر زمانه) (وفتوة الحتة) بلا منازع والبقية حرافيش، وكأننا نقف على أعتاب عصر فتوات ملحمي، لا بد أن تبدأ مفاصله بالصراع وتنتهي بالانقلابات بين سابق ولاحق، وغلبة الأقوى مالا ونفوذا، فهل ننتظر حدوث ذلك، أم أنه حدث ويحدث الآن فعلا؟!
تكمن خطورة مركز الولاء الخاص بأي جامعة، في أن يتحول إلى نظام بديل لنظام المؤسسة، بل ونظام الدولة، فأي مؤسسة هي تمثل المؤسسة الأكبر، الدولة، وبتحول مركز الولاء الخاص إلى نظام، نجدنا في مواجهة مع مافيات ولوبيات، تحتكر العمل المؤسسي وتجيره لصالح أفرادها، وتستثمر كل ما يخص الجامعة، بصفتها مؤسسة وطنية ذات هوية وأهداف تحقق المصلحة الوطنية العليا إلى ناقة حلوب، زمامها وعقال حركتها بيد حفنة، هم أشبه بمستثمرين مرابين وعطارين، لا أكاديميين، فهل أصبح هؤلاء بمثابة أنظمة موازية تساوي المؤسسة الوطنية الحكومية!!
هذه الخطورة، لا تقف عند حدود الفساد المالي فحسب، فذلك – على ضرره وسوء طويته، وإنكارنا له ورفضنا- مما هو متعارف عليه وسائد في معظم مؤسسات الدولة اليمنية، ومنها الجامعة عبر عقود من تاريخها، قبل أن يتحول إلى نظام مواز يدار وينظم من داخلها كما يحدث الآن في هذه المظاهر والوقائع…
- – استغلال اسم الجامعة وصفتها الأكاديمية ونتاجها العلمي وحقها الأدبي، دون صفة رسمية، ودون علم أحد، وذلك في عقد صفقات علاقات شخصية ومرابحات ومكاسب مع أشخاص وجهات وأسواق ومراكز قوى أنظمة موازية مشابهة خارجية، واستثمار ذلك للمصلحة الخاصة والكسب الشخصي.
- – يدفع سلوك الأنا والمصلحة الشخصية المحضة إلى إصدار قرارات وفرض إجراءات مخالفة لنص القانون واللائحة وجائرة بحق الطالب والأستاذ والعملية التعليمية وبما يخالف عدالة الله وشرعه.
- – شغل بؤر الموارد، عوائد، مكافآت عمولات، مرابحات خاصة، للكسب الشخصي الخاص وتوزيعها رشاوي لتيسير الحصول على مناصب أو لاستبقاء زيد وعمرو في موقع المسؤولية، وشراء مواقف، وثمنا لصراعات داخلية مفتعلة يديرونها وتضر بالمصلحة العامة.
- – إطلاق العنان لشهية الاتجار والتربح وتكريس اتجاه تحويل الجامعة إلى سوق مفتوح للبيع والشراء، سوق سوداء، يباح فيها ما لا يباح، ويباع ما لا يباع ولا يشترى، وخلق تيار تسليع المعرفة والشهادة الجامعية والعليا، واحتكارها للميسورين وحرمان الفقراء..
- – فتح الباب على مصراعيه لتسويق البحث العلمي، خارج مشروعيته وبحسب العرض والطلب، وتفتيت منظومته القيمية والأخلاقية وحرف خطه عن أهدافه المنصوص عليها قانونا، وفتح بؤر لسوق سوداء ومنصات سماسرة ومتعهدين من الجامعة وإليها..
- – الرغبة الجامحة في السيطرة على مواقع حساسة، كالبحث العلمي ومكتبة رسائله وأطاريحه، والمجلات العلمية والنشر، وإدارتها ماليا ونشرا وتحكيما، خارج الأطر المؤسسية ولوائحها، وتحويلها إلى بورصة مضاربة خاصة وتربح شخصي..
وفي نهاية المطاف سيتفاجأ الكل، أن مراكز ولاء كهذه، بما يحيطها من غموض وما يكتنفها من سرية في التوجهات والأهداف، مهمتها مد خيوط ولاء لمراكز فوقية رأسية أعلى حول العالم، لها طابع الغموض ذاته والسرية نفسها، في حين مسؤولو هذه الجامعات غافلون، في سكرتهم يعمهون!!

