صحيفة الثوري – ثقافة وفكر:
د. نجيب الورافي
المقابر تتواطأ مع الموت في سرقة الأمهات، وإستحداث مدافن مظلمة للحب الفائض على الوجود!!
على مشاهد القبور المصفوفة، جوار بعضها، لا تنبت اللوعات ورودا، ولا شموسا شاذية بصباحات وعطور، ولا ضفائر حور وتقاسيم أغاني..
ليس هنا، في هذا المكان الموحش بالذات أدلة موثوقة على أي رعشة لنهر قادم أو برعم واعد..
أقصى ما يستطيع المطر فعله أنه، حين ينهمر، يساعد الأعشاب البرية على البزوغ من المقل المحدقة للموتى، كما هي، منذ الغرغرة الأخيرة!!
ربما أمكن للسحابة، أن تملأ (فسقية)، حفرتها في صلب القضاض الرطب أنامل طفل فقد أمه للتو!!
وبالماء القليل ربما تحط الشمس رحالها، ويرتوي عصفور وقع من الظمأ!!
اهات الفقد يتيمة، تحدق في حافة القبر، والدموع تجلس القرفصاء وحيدة هناك، تتحسس وطنا بلا مجيب!!
يكتفي الصباح بإبلاغ (الطلح) الكثيف بضرورة لملمة أشواكه من طريق اليتامى الزائرين لأمهاتهم..
من ترى يستطيع إقناع عرش (الحوجم) البلطجي بالابتعاد، أقصى ما يمكن، عن قارعة نشيج واقف؟!.
هذه أذرع (الصلعف) المنفرج بوقاحة تشبه أنياب الموت، حين ينقض على الأمهات كالوحوش!!
الموت وحش حقود، بارع في اختطاف قلوب الأمهات، واللحود بقدر ما تتسع لطواحين الدود وطوابير العفن اللدود، فهكذا هي في الحقيقة تضيق ذرعا بمباسم الورود، وبصيف المواويل، ودفء الصدور العامرة برائحة حليب الأمومة ..
في المساء تموت النجوم، وعند الفجر تذهب النعوش محملة بأقصى قمر في نبض القلب!!
من في وسعه ثانية، أن يشعل بجنح الليل، فتيل (السمأ والأحاجي)، يوقظ رغبة السرود ولذة الذكريات؟!..
وكيف للقبور أن تصلح أوطانا للأمهات!!

