صحيفة الثوري – (رأي)
وسام محمد
في الأسابيع الماضية، كان لدي قلق حقيقي حول وضع جبهات القتال في الضالع في ظل تكثيف الحوثيين هجماتهم عليها في محاولة لاستثمار التناقضات السياسية والبحث عن ثغرة لإحداث اختراق من شأنه -لو حدث- أن يحدث صدمة كبيرة. لكن جبهات الضالع صمدت أمام الهجمات المتوالية، وتحول الموقف في ظرف أيام من الدفاع إلى شن هجمات لقنت الجماعة دروساً قاسية في السياسة والحرب. بالطبع حدث هذا بينما التناقضات السياسية لا تزال قائمة، بل وفي تصاعد.
ثم فجأة غيرت الجماعة الحوثية تكتيكها في الضالع؛ ففيما ظلت تهاجم في مختلف الجبهات، ظهر قادتها في مداخلات وتصريحات للإعلام يتحدثون عن أنه لا وجود لأي تصعيد عسكري في جبهة الضالع، ثم يحاولون تملق المزاج الشعبي هناك، متبعين بذلك النهج المعتاد القائم على استثمار التباينات في صفوف القوى المناهضة لهم، وهو النهج الذي مكنهم من إسقاط صنعاء واستمرار حربهم على اليمنيين إلى اليوم. حينها وجدت قلقي يتضاعف؛ فما لم تتمكن الجماعة من تحقيقه بالهجمات العسكرية -وكثيرٌ منها كان يستهدف المدنيين- قد تنجح في تحقيقه من خلال الدعاية الحربية السوداء والمتقنة.
تواصلت بأصدقاء ورفاق في الضالع أو على اطلاع بالأوضاع هناك، وجميعهم أكد لي بأن لا قلق على الوضع العسكري، وأن ألاعيب الحوثيين باتت مكشوفة ولا تنطلي على أحد. أحد الأصدقاء، ليطمئنني أكثر، أخبرني عن قصة تعود لعام 2019، عندما انعكس الصراع في عدن على وضع الجبهات في مريس وقعطبة، وتمكن الحوثيون من تحقيق اختراقات في تلك الجبهات، ثم قال: لا يمكن للمقاتلين في الضالع أن يكرروا الأخطاء ذاتها التي وقع فيها الآخرون.
حفزني ذلك لجمع مزيد من المعلومات حول صمود الضالع لكي أعود للكتابة عنها، وكان دافعي -ولا يزال- البحث عن مزيد من الطمأنينة. ثم انشغلت، وقبل أيام وصلتني أدبيات الندوة التي أقامتها منظمة الحزب الاشتراكي في الضالع عن عبد الله باذيب. بدا الأمر غريباً أن يعود باذيب من جبال الضالع، والأكثر غرابة أن تعكس مضامين الندوة هماً وقلقاً فكرياً لم يعد متوفراً في أي مكان آخر. مصدر الاستغراب -وهو شيء غير علمي- أن الندوة جاءت مناقضة للصورة التي تكرست عن الضالع، والتي لم نستطع تجاوزها على الرغم من أن الواقع يظل يناقضها على الدوام.
لكن أن يعود هذه المرة من الضالع، فهذه عودة تحمل دلالة سياسية عميقة؛ فهي قبل كل شيء بمثابة تأكيد على أن الممارسة السياسية -كما أكدها ماركس- دائماً ما تتقدم على الفكر، وأنها أفضل من دستة برامج، وأنه لا قيمة للفكر ما لم يمتزج بالممارسة ويكون تعبيراً عنها وليس العكس، وهو ما جسدته التجربة النضالية لباذيب وجاءت الندوة في الضالع لتؤكد عليه.
وكما في حياته عندما كان باذيب يعود من حضرموت ومن تعز ومن عدن، من التعليم والمسرح وتوحيد العمل الوطني والتشديد على واحدية النضال والقضية شمالاً وجنوباً، وحتى بعد وفاته منذ خمسين عاماً، وفي كل محطة سياسية لا يتوقف عن العودة، حيث نجد دائماً في سيرة الرجل وفي إرثه الفكري النظري ما يمكن من خلاله الإضاءة على الواقع؛ من شعاره الشهير: “يمن حر ديمقراطي موحد”، إلى سجالاته الفكرية في مواجهة مشروع “عدن للعدنيين” أو “المسيح الجديد الذي يتحدث الإنجليزية”، أو تطوره الفكري حيث بدأ ينشط في صفوف “رابطة أبناء الجنوب” ثم عندما تكشفت له المضامين السياسية الرجعية انشق عنها، ثم مزجه بين النضال الفكري النظري وبين العمل التنظيمي والحزبي، وكذلك مشاريعه الصحفية التي كانت تتوجه دائماً إلى صلب القضية المركزية في النضال اليمني ودون مواربة.
أن تكون عودة باذيب هذه المرة من الضالع قلعة الصمود، التي كان لنضالها الجسور في مواجهة سلطة صالح القمعية أثرٌ في إعادة وضع الجنوب إلى مكانه الطبيعي في المعادلة السياسية بعد سنوات قاسية من الإلغاء والتهميش. فإن هذه العودة تأتي امتداد للدور النضالي الذي جسدته الضالع في مختلف المحطات حيث كان لدورها الشجاع في مقاومة قوات الحوثيين وصالح في 2015 قبل تدخل التحالف العربي وكسر زحف تلك القوات نحو عدن، بالرغم من المواقف المخاتلة التي ظلت تردد بأن لا علاقة للجنوب بالحرب، ثم البروباغندا التي صورت الحرب بأنها ضد الجماعات الإرهابية وبهدف ملاحقة “صاحب أبين” (الرئيس هادي حينها)؛ ان حمى مكتسبات النضال. ما يؤكد أن الوعي السياسي الذي تخلق بالممارسة النضالية الميدانية على مدى سنوات كان مدركا للموقف الصحيح وبلا تردد كان قرار المقاومة وإلحاق أول هزيمة كابحة ومريرة لتتحول الضالع إلى عقدة مركزية في مشروع الحوثيين.
وفيما كثير من منظمات الاشتراكي في المحافظات الجنوبية عندما تنظم فعالياتها تقوم بحذف كلمة “اليمني” من اسم الحزب، وجدت في أدبيات الندوة التي أقيمت في الضالع أنه لا وجود لذلك التحرز الذي يعكس حالة انحطاط سياسي وفكري، بل بدا لي أن استدعاء باذيب ليكون موضوع الندوة يعكس حالة استشعار حقيقية بالمأزق الفكري والنظري الذي وصل إليه الحزب الاشتراكي والجنوب عموماً، عندما سُلِّمَت زمام الأمور لمشروع الرابطة ليقود دفة النضال، والذي كان من نتائجه الوصول إلى طريق مسدود بقيادة “الانتقالي” كما انتهى إليه الوضع في حضرموت وكاد أن يدفن سنوات النضال المريرة والقاسية في رمال الصحراء. اختيار باذيب ليكون موضوعاً للندوة باعتقادي هو بمثابة استلهام للشجاعة التي تحلى بها عندما قرر الانشقاق عن الرابطة في شبابه (أكبر تيار سياسي في ذلك الوقت) والمراهنة على القيم التقدمية وعلى المستقبل، وقد تأكدت رؤيته الصائبة واستشرافه العبقري. ما يجعلني أقول بوجود مثل هذه الدلالة ولو بشكل ضمني، هو تأكيد الندوة على مذهب باذيب الذي لم يكن يحفل بالمناصب أو يقيم لها وزناً، والقول بوضوح إن باذيب لا يزال يجسد برنامج اللحظة الراهنة.

