صحيفة الثوري – كتابات:
وسام محمد
“يا عمّ … ما أرخص الإنسان في بلدي”. البردوني
بالأمس وكعادة النقاشات التي يثيرها القات، تطرق أحد الاصدقاء بشكل عابر لقصة فأر سد مأرب، كان النقاش عابرا وبسرعة انتقل الى مواضيع أخرى، مع ذلك ظلت فكرة الفأر مسيطرة على تفكيري طوال الليل. حتى وان كانت القصة مجازية إلا أنه من السهل العثور عن أساس لها في الواقع. في أواخر رمضان وفي جلسة مشابهة، كان الحديث عن نمط تكتيك التسلل في جبهات القتال. لكن النقاش كان مركزا حينها عقب مقتل ٥ جنود في جبهة الدفاع الجوي بتعز، وكان السؤال: هل درست القوات الحكومية هذا التكتيك الذي يتبعه الحوفيون بشكل متكرر؟ واذا فعلت هل بنت تكتيك مضاد وعممته على كل الجبهات؟
في الحقيقة، بالرغم من أن النقاش كان مع أشخاص منخرطين في المعركة، لم نجد إجابة للسؤال الأول، بينما واقع الحال كان يجيب على السؤال الثاني بوضوح. بل الادهى من ذلك، أن الاجابة التي حصلنا عليها، هي أن هناك من بادر واشتغل على مشاريع تكتيكات مضادة لتكتيك التسلل، نظريا وتطبيقيا، لكنه لم يجد ممن هم في موقع المسئولية أي تجاوب. وهذا يوضح طبيعة الذهنية العامة السائدة في بلادنا، والتي لا تقيم أي وزن لقيمة الحياة حتى عندما تكون على تماس مباشر مع الموت.
شاهد آخر صادفته في رمضان أيضا وتوقفت أمامه. قام الصحفي رائد الجحافي بنشر عدد من الحلقات حول قضية السوداني محمد أدم الذي أرتكب جرائم فضيعة بحق طالبات كلية الطب في جامعة صنعاء. قرأت ٤ حلقات نقلت من مذكرات الضابط الشبواني الذي قام بكشف خيوط الجريمة في اللحظات الاخيرة، قبل ساعات من مغادرة محمد أدم لليمن بعد انهاء خدمته كحارس للمشرحة في كلية الطب (تفصيل ينتمي للسينما). ورغم انني كنت قد عاصرت القضية أواخر التسعينيات وتابعت تفاصيلها من الصحف، إلا أن الفضول شدني للبحث أكثر حولها ووجدت ٣ ملامح بارزة:
الأول: أن محمد أدم لم يكن له علاقة بالتشريح بل لم يكمل دراسته الثانوية ومع ذلك أسندت له وظيفة أن يكون مسئولا عن مشرحة الكلية.
الثاني: أن محمد أدم قال بأن حالة التسيب والاهمال، منحته ثقة مطلقة بأن لا أحد سيكتشف جرائمه، وقد كان ذلك عاملا بارزا في تحفيزه على ارتكاب جرائم اغتصاب وقتل الطالبات ثم تذويب أجسادهن بمواد كيميائية في المشرحة.
الثالث: أن القضية بعد ان وصلت الى الصحف واصبحت محط اهتمام الراي العام، تعاملت معها السلطة كقضية جنائية خالصة وسارعت الى اقفال الملف باعدام محمد أدم. لم يحاسب أي مسئول في الجامعة ولو من منطلق الاهمال والتقصير، وبالطبع لم تستخلص الدروس من جريمة بهذا الحجم ووضع السياسات التي تمنع الاهمال والتسيب في المؤسسات الحكومية. ثم صادفت حينها بودكاست لضابط يمني يتحدث عن كيف أن الدولة بدلا من أن تعمم لغة النظام والقانون التي كانت سائدة في الجنوب قبل الوحدة على الشمال، بعد حرب صيف ٩٤ جرى اقصاء الضباط الجنوبيين المؤهلين تأهيلا جيدا، وتعميم نموذج الفوضى والتسيب الذي كان سائدا في الشمال على عموم البلاد.
ما حدث في الوديعة بقدر ما هو مؤلم، بقدر ما يوضح الى أي حد وصل بنا الاستهتار. حتى المؤسسة العسكرية التي هي رمز الانضباط وعملها يقوم في الأساس على تقدير المخاطر والتحوط في مواجهتها وحماية المجتمع، يصبح أفرادها ضحايا كغيرهم. وبالطبع لن يحاسب أحد علاوة على استخلاص الدروس.





