صحيفة الثوري – (رأي)
وسام محمد
دعوات السلام وخطاب رفض الحرب لم يعد لهما اليوم أي قيمة تستدعي الاهتمام أو حتى مجرد الالتفات؛ ليس فقط لأنها أصبحت بلا تأثير يذكر، بل لأن الواقع قد تجاوزها إلى الضد تماما، حيث باتت الحرب بمثابة اتجاه إجباري، والرأي العام الذي كان يُخشى عليه في سنوات الحرب الأولى من التأثر بهذه الدعاية الحربية غير المباشرة بات اليوم متقدما على أكثر المتطرفين والداعين إلى الحرب. وهذا لا يحدث مصادفةً أو لأنه أصبحت لدينا جمهورية فاضلة، بل لأن الناس أدركت أنه لا بديل عن تحقيق السلام سوى بالحرب، وأن الحوثية بذاتها وفي أحسن حالاتها تعكس أسوأ شرور الحرب، وأكثر من ذلك أنها آلة ضخمة ليس لها من عمل سوى صناعة الدمار والجوع والمرض، وأي واقع بديل لها هو واقع مثالي بامتياز.
إذن، الحديث عن السلام ورفض الحرب بات حديثا خارج الواقع، وما لا ينتمي للواقع لا ينتمي للسياسة أو للأخلاق بصلة، على أن العودة لتناول مثل هذا الموضوع في مثل هذه اللحظة لا تخلو من فائدة؛ كون الوقوف على السياقات التي برزت من خلالها دعوات السلام ورفض الحرب خلال سنوات الحرب الأولى لا يزال على قائمة برنامج محاولة فهم كيف حدثت هذه المأساة الهائلة التي يعيشها شعبنا ومن الذي يتحمل مسؤولية ذلك.
وبالعودة إلى بدايات ظهور دعوات السلام ورفض الحرب، التي كانت تقدم خدمة جليلة للطرف الذي أضرم النار بعد أن استحوذ على سلاح الدولة – سواء عن قصد بهدف التعمية على الناس وإيهامهم بأن الحرب لا تعنيهم أم بغير قصد – فإنه يمكننا الحديث عن ثلاثة أنواع:
النوع الأول: من وجدوا في الدعوة للسلام ورفض الحرب أنها النشاط المدني الوحيد الذي يمكن ممارسته في زمن الحرب، على ما يقتضيه ذلك من مبدئية في تحديد الطرف المسؤول عن إشعال الحرب، وفي مناهضة الانتهاكات والوقوف في وجهها بشجاعة، ثم مع مرور الوقت تحديد الطرف الذي يرفض العودة للسلام والتعبير عن ذلك بصراحة. على حد علمي هذا النوع بكل هذه الاعتبارات، لم يوجد، ولكني ذكرته من باب الاحتياط، ولأن هناك من كان يواجه التباسا في الرؤية واندفع في البداية لتبني هذا الخطاب دون أن يعمل بمقتضياته؛ ودعواتهم تلك كانت نابعة عن عجز في استيعاب الواقع أو من منطلق هروبي، وليس استنادا إلى حيثيات ومنظور فكري واضح وأرضية صلبة. وكثير ممن يمكن تصنيفهم ضمن هذا النوع، بعد أن أُغلق مجال النشاط المدني الوحيد في وجوههم بأكثر الطرق قسوة ووحشية – حيث تعرضوا لانتهاكات وتنكيل ممنهج في مناطق سيطرة الحوثية – تواروا عن المشهد، وقليل منهم تبنوا بشكل متدرج يخرجهم من حالة الاغتراب مواقف مناقضة.
النوع الثاني: كانت دعوات السلام ورفض الحرب بالنسبة لهم تعبيرا عن موقف سياسي، إما لخدمة الطرف الأقوى وبهدف تحييد قطاعات شعبية كان من مصلحتها خوض المواجهة، أو لأنهم يتبنون مواقف معادية لبعض الأطراف انطلاقا من إرث الصراع السياسي خلال العقود التي سبقت اندلاع الحرب، كالموقف من حزب الإصلاح أو من السعودية، وهناك من كانوا يعتقدون أن الحرب لا تعنيهم لأنها تدور بين مراكز نفوذ شمالية، كبعض قادة الحراك الجنوبي. ومن ينتمون لهذا النوع تعرض منطقهم مع مرور الوقت لعملية سحق؛ فالقطاعات الشعبية التي توجهوا لها أصبحت في مواجهة مباشرة مع سلطة الحرب الغاشمة التي لم تترك لهم أي هامش للحياة، ومن كانت لديهم مواقف معادية لبعض الأطراف تكشّف لهم أن الحوثية هي ناتج عملية ضرب الإصلاح في خمسة، وأن نتائج تدخلات السعودية في اليمن طوال عقود لا تساوي شيئا أمام النتائج التي أسفر عنها الدور الإيراني خلال بضع سنوات. أما الحراكيون فكانوا أول من استفاق لأن الحرب سرعان ما شملتهم ووصلت نيرانها إلى مدنهم وقراهم، لكن البعض لا يتعلم بالعقل ولا تكفيه التجربة.
النوع الثالث: هؤلاء كانت دعوات السلام ورفض الحرب بالنسبة لهم ليست أكثر من “بزنس” مرتبط بالمنظمات الدولية التي تعكس مواقف الدول الكبرى من الصراع في اليمن. هؤلاء مثلا كانت أصواتهم عالية عندما اقتربت المعركة من الحديدة بحجة أن ذلك سيؤدي إلى إغلاق الميناء وسيصنع مأساة إنسانية، وعندما قصفت إسرائيل الميناء ذاته لم نسمع لهم صوتا، ومع تبدل مواقف المنظمات الممولة تبدلت مواقفهم على نحو تلقائي وسلس.
هذه هي الأنواع الثلاثة التي تستحق الدراسة كجزء من عملية أوسع تتوخى فهم السياقات الموضوعية للحرب التي صنعت المأساة ولاستمرارها الذي حول اليمن إلى أرض مستباحة يعاني شعبها الفقر والجوع والمرض. وبما أن الحرب لا تزال قائمة، فإن عودة مثل هذه الأصوات – بما أنها لم تعد تمتلك أي تأثير ولا قيمة لما تردده – فإن فهمها (لو أن هذا يشكل أي أهمية) لن يخرج عن أحد توصيفين: إما الدونكيشوتية المثيرة للشفقة، وإما الخراب النفسي الذي صنعته الحرب بحيث أصبح الانتصار للذات تحت أي عنوان وبأي شكل هو أم المعارك.

