“صحيفة الثوري” – (رأي):
أ.د/ عبدالله غالب المعمري
عدن اليوم ليست محطة ترانزيت في طريق العليمي، إنها منصة الامتحان الأخير للرئاسة.
امتحان أن يجعل كل قيادة الدولة ودلالتها تصل إلى عدن، الثورة، ثم تنطلق منها إلى كل اليمن.
إن لهذا النزول الفدائي للقيادة ما بعده؛ إنها ساعة الصفر، ساعة القرار الفصل. ليست ساعة مراقبة ضحايا المعركة، بل ساعة صناعة شروط النصر.
فصنعاء ستُستعاد عندما تراكم الشرعية شروط النصر، فتكون هناك دولة تمتلك جيشاً موحداً، وقراراً سيادياً، واقتصاداً قادراً على تمويل الحرب والسلام، ومؤسسات تستطيع حماية الناس، وقيادة تعرف أين تبدأ المعركة وأين تنتهي.
فقائد القوات المسلحة وقائد الجيش الوطني الذي لا يملك قرار المبادرة، يتحول مع الوقت إلى حارس لخرائط خصومه.
والقيادة التي لا تفرض إيقاعها على الأرض بالقوة، تتحول إلى شاهد على الأحداث، بدلاً من أن تكون صانعة لها.
فالمطلوب من الرئيس ارتداء البدلة العسكرية وخوض معركة الحسم العسكري؛ معركة فاصلة في إنهاء مشروع الانقلاب، ومشروع تفكيك الدولة، ومشروع تحويل اليمن إلى جزر نفوذ مسلحة.
المطلوب ليس حرباً أهلية جديدة، ولا انفجاراً أعمى، ولا تحويل اليمن إلى ساحة تصفية حسابات، بل المطلوب حضور قوة الدولة في مواجهة قوة الانقلابات السلالية والجهوية.
أن يكون وصول القيادة إلى عدن مش للنزهة، مش للاستعراض في معاشيق، بل لأجل كسر دائرة الخواء والليكان، بحيث تجعلوا من ذراع الدولة أقوى من كل بندقية خارج مؤسساتها.
فالبدلة المدنية ليست ضعفاً، كما أن الزي العسكري ليس قوةً بالضرورة، لكن القوة الحقيقية للرئيس أنه يمتلك قرار الدولة، وأدواتها، وقدرتها على فرض وجودها بالقوة الخشنة وقوى القانون، كما يمتلك معه شعباً يتطلع للحرية والانعتاق، وجاهزاً لخوض المعركة.
لقد طال زمن التردد، زمن المساومات والمقايضات الرخيصة التي جعلت الدولة طرفاً بين أطراف لقيطة، بدلاً من أن تكون هي المرجعية فوق الجميع.
كما طالت هيمنة التشكيلات التي تتعدد أسماؤها وراياتها ومصادر قرارها، بينما يبقى القرار السيادي للدولة هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
لا يمكن استعادة اليمن بدولاب السياسة القديم.
ولا يمكن استعادة الدولة بمجرد الحضور البروتوكولي الهش.
ولا يمكن بناء الجمهورية بينما القرار موزع بين غرفٍ متعددة، والسلاح موزع بين ولاءات مختلفة.
الدولة يجب، يا فخامة الرئيس، أن تُستعاد بالقوة حين تكون القوة لها عواملها القانونية، والدستورية، والوطنية، والمؤسسية، وموحدة أيضاً.
وهذه هي النقطة الفارقة للمعركة الفاصلة اليوم.
إنها قوة الجيش الوطني الموحد في مواجهة قوى الفوضى.
قوة القانون في مواجهة منطق قوة الأمر الواقع.
قوة المؤسسة في مواجهة سلطة العصابات.
قوة القرار الوطني المستقل في مواجهة الارتهان للخارج.
وهنا تحديداً يصبح الرئيس العليمي اليوم، وليس غداً، أمام امتحان: إما أن يبقى رئيساً داخل معادلة مراكز القوة، يحاول إدارة التوازن بينها، وإما أن يتحول إلى رئيس فدائي ثوري يقود عملية عسكرية، سياسية، اقتصادية شاملة نحو معركة الخلاص الناجز وإعادة بناء مركز الدولة، وإن كانت الطريق وعرة ومكلفة الثمن.
يا رئيس، عليك سرعة استكمال وتوحيد ما تبقى من تشكيلات عسكرية لا تزال خارجة عن هيكل الجيش والأمن، وإغلاق أبواب الكتائب الخاصة والمراكز المسلحة التي تنازع الدولة اختصاصاتها، والتوجه لجبهات القتال المشتعلة حيث قلب المعركة.
فاليمن عاش طويلاً تحت ضغط القوة الغاشمة، القوة المنفلتة، وبالتالي فإن استعادة الدولة لن تتم إلا باستخدام القوة.
يا فخامة الرئيس، اليمن لا يحتاج رئيساً أكثر مدنية في الوقت الحالي، بل رئيساً أكثر عسكرية، رئيساً أكثر حضوراً بين الناس، وأكثر التصاقاً بالجبهات وبالدولة.
رئيساً يقول بوضوح:
لا جيش فوق الجيش.
لا أمن فوق الأمن.
ولا قرار فوق القرار الوطني.
لا سلاح خارج القانون.
لا سلطة فوق الجمهورية.
وهنا فقط تصبح البدلة العسكرية التي نريدك أن ترتديها، والنزول للجبهات، رسالة قوة للحزم والحسم والردع كقائد أعلى للقوات المسلحة، لا صورة ضعف، وتصبح معها الرئاسة قرار قيادة، لا موقعاً في معادلة غير موزونة.
والتاريخ في النهاية لا يرحم الذين عرفوا لحظة الخلاص لأوطانهم وإنقاذ الدولة، ثم اختاروا تأجيلها.
فاللحظة لا تحتمل نصف قرار، ونصف خطوة، ونصف طريق، ونصف خارطة، ونصف كأس، بل تحتمل قراراً واحداً هو قرار المواجهة الشاملة.
فإما أن تخوض المعركة اليوم مع كل الشرفاء، كفدائي في جبهة اليمن الكبير، وبالتالي تستعيد الدولة قوتها وحضورها، وإما العودة لردهات الفنادق ولنفس الدولاب السياسي مرة أخرى، وستكون عندها لتلك العودة خسارتها الفادحة أيضاً.

