آخر الأخبار

spot_img

مجزرة الرويك.. صفعة جديدة على وجه وطنٍ يدفع ثمن التراخي والانقسام

“صحيفة الثوري” – (رأي):

أ.د. عبدالله غالب المعمري

إن مجزرة الرويك اليوم لم تكن مجرد عملية عسكرية مباغتة، ضحاياها كثر في بقعةٍ على خارطة الحرب، بل كانت جرحاً نازفاً جديداً في جسد اليمن، وصفحةً دامية تُكتب بدم الجنود الذين غادروا أسرهم وهم يحملون الوطن على أكتافهم، فعاد الوطن يحملهم على نعش الارتخاء العسكري والانقسام السياسي واللامبالاة الشعبية.

إن الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقتها مليشيات إيران لم تخترق صدور الجنود وجماجمهم فحسب، بل اخترقت ما تبقى من هيبة الدولة، وكشفت أن الحرب ليست معركة قذائف وبنادق فقط، بل معركة عقلٍ وإدارةٍ ورؤية، واستراتيجية ردع، واستراتيجية دفاع.

وحين تتكرر المآسي، فإن السؤال لم يعد: من أطلق الصواريخ؟ ومن هندس لذلك؟ ومن أعطى الإحداثيات؟ بل أصبح: لماذا تُترك أبواب المعسكرات مفتوحة، وظهور الجنود بلا غطاء، للمأساة مرةً بعد أخرى؟

إن الدماء التي سالت في المعسكرات اليوم ليست مادةً للمزايدات الرخيصة، ولا مناسبةً لتبادل الاتهامات، بل ناقوس خطر يعلن أن الوطن لا يحتمل المزيد من الأخطاء الفادحة، وأن الجندي اليمني يستحق قيادةً عسكريةً وسياسيةً مسؤولةً ويقظة، ترى فيه قيمةً وطنيةً كبرى، لا رقماً في كشف راتب أو بيان عسكري.

إن الوطن اليمني لم ينهزم لأن عدوه قوي، بل انهزم، وينهزم، حين تتشظى إرادته، وتُبدَّد قدراته بين الحسابات الضيقة والمعارك الجانبية.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تسقط من أول ضربة، وإنما تسقط حين تفقد قدرتها على مراجعة نفسها، والاعتراف بأخطائها، وإعادة بناء مؤسساتها على أساس الكفاءة والمسؤولية الوطنية.

ومع كل الحزن، تبقى مذبحة الرويك، رغم وجعها الشديد، ليست نهاية المعركة، بل بدايتها.

نعم، الدم الذي سال يوجع، لكنه أيضاً يوقظ. والجثث التي تطايرت اليوم قد تُثقِل الخطى، لكنها قد تكون الشرارة التي تدفع أمةً كاملةً إلى مراجعة مسارها واستعادة قوتها.

سلامٌ على كل شهداء الوطن في كل الجغرافيا، وسلامٌ على كل روحٍ صعدت وهي تؤمن أن اليمن يستحق الحياة الكريمة.

وليكن الحزن الذي أصاب الجميع اليوم عهداً جديداً بالمراجعة، لا بالاستسلام، وليكن الألم بداية يقظةٍ وطنية، لا فصلاً جديداً من الاعتياد على المآسي.

فالأوطان التي تنحني أمام الفاجعة تموت، أما الأوطان التي تحول الفاجعة إلى وعيٍ وإصلاحٍ وتقييمٍ وتحقيقٍ ونهوضٍ ومراجعةٍ شاملة، واستراتيجية ردعٍ قوية، فهي التي تكتب مستقبلها بيدها.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img