آخر الأخبار

spot_img

جدليه اللّيل… والحُب والمطر

صحيفة الثوري – ثقافةوفكر:

أ.د/ عبدالله غالب المعمري

في الليل تتعرى المشاعر و تتكاشف الأرواح بشفافيه أكثر من وضوح النهار. فالظلام ليس عدواً للنور كما نتوهّم، بل هو المساحة التي ينخفض فيها منسوب ضوضاء العالم ليتكلّم الداخل الوجداني وحده بلا مقاطعة…عندما يهطل المطر في الليل يتكوّن اتّحاد رومانتيكي غريب لا يمكن تفسيره بلغه الخوارزميات التى رتبت قواعد البيانات وصولاً للذكاء الصناعي.

تسمع هدير الماء ينزل من السماء، وكأنه رسائلٌ حب قديمة تعود إلينا في كل فصل، تخبرنا أن الكون ما يزال ينبض حيّاً ، ويمطر حنيناً ويعزفُ بقيثاره المحبين لحناً جميلاً ، وأن الخير لم يترك الأرض رغم كل الخراب الهائل الذي راكمنه وبنيناهُ عليها بأيدينا. وهنأ يدخل الحُب متسللاً على الليل والمطر….الحب الذي لا يأتي مع ضجيج مكائن العمل ولا في صخب النهار ولا في صفقات العلاقات العمليه الماديه اليومية. انه الحب الذي يتكاثر كلما زادت مساحه الصمت ويزداد وضوحاً كلما تكاثف الظلام في الخارج ويكون الكون كله هادئاً كقلب راهب.

أنه الحب الذي يتخلق بكثافه مع تلك اللحظات بسرعه صوت المطر وهو يطرق نافذتك في الرجفة الأولى في صدرك حين تشعر أن هناك شيئاً يخصّك وحدك في هذا الكون في تلاشي حدود الأنا كلما زاد تساقط المطر وكأن الماء يغسل قسوة التجارب الصعبه التي احتجزتها ذاكرتنا طويلاً. إن تلك الجدليه تمنحنا فرصة لتقليم الفوضى التى بداخلنا وبالتالي المصالحة مع الذات ومع الآخر الشريك.

وتحت المطر حين تغسل السماء الممرات الوعره بداخلنا كفرصة لتطهير ما علِق في الروح من غبار الأيام ويرمم مع الحب ماتعرضنا له من انتكاسات وجدانيه وانكسارات سيكولوجية معقده.

أنه الحب الذي يمنح كل ذلك الفضاء معنى فالحب ليس أن تجد شخصاً يشبهك ، يتطابق معك.

الحبُ أن تجد شخصاً يفهمك ولا يخاف أن يغوص معك في أعمق لياليك ، في أعماق خلجات نفسك، ويجلس بصمتٍ أمام النافذة بينما ينهمر المطر، يشرب معك تفاصيل البوح ويُخبرك من غير كلام: أنا هنا … ولن أترك يدك مهما اشتدّت العواصف وعندها تسقط كل محاولات الممانعه ودفاعات المقاومه ويحدث الذوبان.

في الليل يتقاطع المطر مع الحنين. وتتقاطع الذاكرة مع الأمل.

ويصبح الحب هو الطريق الوحيد الذي يبقى مضيئاً في الظلام.

فإذا رأيتَ في ليلة ممطره أن قلبك يلين فجأة، وأن جداره السميك ينهار قليلًا، فلا تخف…. هذا ليس ضعفاً…بل هذا يعني فقط أن روحك ما تزال صالحة للحب والحياه.

وما يزال داخلك إنسان قادر أن يعيش ويشعر ويحس رغم كل التعب.

فالليل حين يأتي ممزوجاً مع زخات المطر يتحول إلى مساحه فلسفيه ووجدانيه …يعاد فيها ترتيب خرائط الضوء وتضاريس الحب بداخلنا.

هذه هي الجدلية بين الليل والمطر والحب التى لايستطيع العقل وحده أن يشرحها لكن القلب يفهمها ويترجمها فوراً.