آخر الأخبار

spot_img

ثورة 23 يوليو 1952 ليست ذكرى تُروى، بل وضوء الأحرار كلما تحرر شعب من سرداب العبودية

“صحيفة الثوري” – (رأي):

أ.د. عبدالله غالب المعمري

في مثل هذا اليوم، لم تكن ثورة 23 يوليو تاريخًا عالقًا على جدار الذاكرة، بل نارًا مقدسة، كلما خبت في أمة بعثها الأحرار من جديد. إنها ليست انقلابًا في موازين السلطة، بل ثورة في ضمير الإنسان وأخلاقه وسلوكه.

إنها لحظة تاريخية يأخذ فيها الشعب زمام المبادرة، ويعلن فيها أن الأوطان لا تُدار بإرادة المستعمر، ولا تُحرس بوصايا الجيران، ولا يتحكم بها الطغاة والمستبدون، ولا تُباع في أسواق المصالح الخارجية الرخيصة.

لقد جاءت ثورة 23 يوليو لتقول إن الحرية ليست منحة، وإن الكرامة ليست امتيازًا تمنحه السلطة، بل حق يولد مع الإنسان. ومن يفرط في هذا الحق الفطري الأصيل، يفرط في وطنه، وفي تاريخه، وفي مستقبل أبنائه.

واليوم، بعد عقود من تلك الثورة، يبدو المشهد العربي المُثخن بالصراع وكأنه عاد إلى المربع الأول من الارتهان؛ حيث تتكاثر الوصايا، وتتناسل الميليشيات، وتُنهب ثروات الشعوب، وتُختطف قرارات الدول باسم الطائفة تارة، وباسم القبيلة تارة، وباسم الجهويات، وباسم السياسة حينًا. صارت الأنظمة المستبدة القائمة على القبضة البوليسية القمعية تخاف من شعوبها أكثر مما تخاف من أعدائها، وصار بعض الساسة المرتزقة يتاجرون بالأوطان كما يتاجر السماسرة بالبضائع.

أما وطننا اليمن، فقد تحول إلى الجرح العربي المفتوح، وطن مزقته مشاريع الغلبة على الآخر بالسلاح، وأثقلت كاهله الولاءات العصبوية الشوفينية، فغابت الدولة الضامنة، وحضرت قوى الأمر الواقع المفروضة على قناعات الناس وإرادتهم، والتحف الشعب معها بالخوف، للأسف. ومع ذلك، يعلمنا التاريخ والثورات الملهمة أن الشعوب قد تتعثر، وقد تنام، لكنها لا تموت، وقد تنحني تحت ضغط القهر، لكنها لا تنسى طريق الانعتاق من براثن الاستبداد.

إن ثورة 23 يوليو لم تكن دعوة لعبادة القادة، بل لتحرير الإنسان من عبادة الأشخاص. ولم تكن دعوة لاستبدال مستبد بآخر، ولا شيخ بشيخ، ولا إقطاعي بإقطاعي آخر أكثر استغلالًا، بل لبناء دولة مواطنة يكون فيها القانون سيدًا، والشعب مصدر الشرعية، والكرامة حقًا لا يُساوَم عليه.

إن الأمة التي تنسى ثوراتها الملهمة تُعيد إنتاج هزائمها، وتعيد تناسل خيباتها، والأمة التي تفرط في جمهوريتها تفتح أبوابها للاستبداد بأشكاله المختلفة.

فكل سلطة اليوم تُصادر إرادة الناس، وتتنكر لحقوقهم، وتتعسف في حرياتهم، وتحتكر الثروة والقرار السياسي باسمها، وتستبدل الوطن بالميليشيات والعصابات والفئويات متعددة الهويات، بعد كل هذه العقود من قيام الثورات، إنما تعلن الحرب الشاملة على المستقبل.

أيها الأحرار العرب في كل مكان، لا تجعلوا من 23 يوليو العظيم تمثالًا من حجر، بل اجعلوها ضميرًا حيًا. لا تحولوا هذه الثورة إلى مهرجان كرنفالي، بل إلى مشروع تغيير وبناء نهضة، وإلى ثورة دائمة على الفساد، والاستبداد، والتبعية، والجهل، والتخلف، والخوف.

فالحرية ليست محطة ترانزيت نقف فيها، بل صيرورة نضال طويل نسير فيه كل يوم. والجمهورية ليست مبنى للحكم يُرفع عليه علم وكاميرات مراقبة، بل ثقافة تؤمن بأنه لا سيد، ولا زعيم، ولا جنرال، ولا شيخ، ولا إقطاعي، ولا برجوازي فوق القانون، ولا قداسة إلا للوطن وكرامة الإنسان.

ستبقى 23 يوليو 1952 وضوء الأحرار، كلما نهض شعب من تحت ركام العبودية، وأشعل في وجه الظلام قنديل نور يضيء مسالك الطريق، وأعلن أن الأوطان لا يحررها الجبناء الخائفون، ولا يبنيها المنتظرون تحت شباك الارتهان، بل يصنعها أولئك الذين يؤمنون بأن الحرية فريضة، وأن الكرامة عقيدة، وأن الثورة الحقيقية تبدأ يوم يرفض الإنسان أن يركع إلا لله، وينتصر لقضايا الناس.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img