صحيفة الثوري – (مقال رأي)
اللواء علي حسن زكي
إن ما تشهده المنطقة ودول الإقليم من حرب عسكرية وضربات هنا وهناك، ومحاولات تمدد الحوثي، وبيان مجلس الأمن سنستعرضه تاليًا، إن كل ذلك يؤشر وبصورة عامة إلى حالة مخاض ولادة ترتيبات سياسية تلوح في المنطقة، والسؤال: كيف ستكون تلك الترتيبات؟
من هنا يمكن فهم حالة اللا حرب واللا سلم الأمريكية الإيرانية، وفي سياقها فهم محاولة الحوثي التمدد لاستكمال سيطرته على ما تبقى من أراضي الشمال: مدينة تعز، ومأرب وما في جوفها من نفط وغاز، والمخا والميناء المطل على ساحل البحر الأحمر والمجاور لباب المندب، طريق مرور سفن التجارة الدولية والشحن البحري، وتصاعد الضربات العسكرية عليه وعلى المدينة، كل ذلك بهدف تعزيز وجوده على جغرافية الشمال والضغط لفرض مطالبه على حساب حقوق الآخرين.
في ذات السياق، ولتحقيق نفس القصد، فإن عين الحوثي على نفط وغاز ومعادن شبوة ووادي حضرموت أيضًا، لتكتمل له السيطرة على مثلث النفط والغاز: مأرب ـ شبوة ـ حضرموت، وتصديره من منافذ شبوة وحضرموت على بحر العرب، كما هو ديدنه.
ليس لغرض تعزيز وفرض وجوده على الأرض وفي هذا المثلث، طالما لا يروم من خلال ذلك الاستئثار بهذه الثروات وحسب، ولكن ليفرض وجوده كمعادل في أية تسوية ـ ترتيبات سياسية قادمة، والحصول على النصيب الأوفر في الكعكة.
إن بيان مجلس الأمن في جلسته المنعقدة في ٦ أغسطس الحالي، الذي دان فيه الهجمات الصاروخية التي شنها الحوثي على السعودية والهجمات على السفن التجارية، والذي أعادت نشره صحيفة الأيام في عددها ليوم الأحد ٩ أغسطس الحالي، قد أكد التزام أعضاء المجلس بسيادة اليمن وأمنه واستقراره، وحيث يأتي في ظل سبق للمجلس أصدر قرارًا عام ٢٠١٥م برقم ٢٢١٦ بهذا الخصوص، ما يعني هذا الموقف، أن حل القضية يأتي من بوابة الدولة الاتحادية الواحدة، طالما أكد على سيادة اليمن وأمنه واستقراره في البيان، ووحدة اليمن وأمنه واستقراره وسلامة أراضيه في ديباجة القرار مذكور أعلاه.
في هذا الإطار، اللافت أن إحاطة المبعوث الأممي الأخيرة التي قدمها إلى مجلس الأمن في هذا الاجتماع، قد خلت من ذكر الجنوب ومستقبل حل قضيته وتدهور أوضاع أبنائه الإنسانية واتساع حالة الغليان الشعبي المتصاعد، حيث ركز على “الجانب الاقتصادي بشكل عام وعلى تسوية سياسية يقودها اليمنيون عبر الانخراط ضمن جهود مكتب الأمم المتحدة وعلى الحوار والتوافق وصولًا إلى مؤسسات شرعية رسمية”.
إن الجنوب قوي بشعبه وجيشه وأمنه وما راكمه من انتصارات، أهمها ارتباط شعبه بقضيته وبناء مؤسسته العسكرية، مع ذلك ينبغي قراءة موقف مجلس الأمن الذي يتكون من الدول دائمة العضوية والفاعلة في القرار الدولي: أمريكا – بريطانيا – روسيا – الصين – فرنسا – ألمانيا، قراءته بكل العناية والاهتمام.
ومع أن المليونيات الجماهيرية الجنوبية المتمسكة باستعادة شعب الجنوب لدولته الواحدة من المهرة إلى المندب ذات أهمية بالغة، غير أنها وعلى أهميتها لا تكفي ما لم تكن مدعومة بتحرك سياسي ودبلوماسي خارجي نشط، وخطاب إعلامي بلغة السياسة والقراءة الواقعية للمستجدات واستيعاب لتقاطع وتضارب المصالح، وتأكيد للشراكة في حفظ الأمن والاستقرار الدوليين، والممرات المائية بالمنطقة ومكافحة الإرهاب والتطرف والقرصنة البحرية، لا بلغة شعبوية وعاطفية، بلغة تفهمها مراكز ومعاهد الدراسات البحثية والاستشارية الدولية صانعة القرار، لا بالضجيج وبالتخوين والاستعداء، والحوارات والتغريدات واللقاءات خارج الحدود، فضلًا عن أهمية التواجد القيادي على الأرض، وحوار يجسد تماسك وحدة الشعب ويستوعب تضحياته وتحقيق تطلعاته واستعادة دولته، فقضايا الأوطان تحل بشكل عام من/في الداخل من بين صفوف الناس، وتفرضها وحدة الشعب وتماسك نسيجه، وما عداه مجرد ضياع للوقت.
مدة ثمانية أعوام من ٢٠١٧، إضافة إلى مدة ٢٤ عامًا من ٩٤ – ٢٠١٧م، يساوي ٣٢ عامًا حتى الآن، كافية للمراجعة والتقييم واستخلاص العبر والدروس.
وخلاصة القول، الجنوب وقضيته واستعادة دولته بين مفترق طريقين: يكون أو لا يكون، السياسية فن الممكن ولياقة، وما “لا يدرك كله، لا يترك كله”، وما قد يكون اليوم غير ممكن قد يكون ممكنًا غدًا….

