“صحيفة الثوري” – (خاص):
تحليل: خليل الزكري
في مكة، اتخذت السعودية وتركيا وباكستان خطوة تتجاوز بيانات التضامن السياسي، حيث وقعت الدول الثلاث، الجمعة الماضية، على اتفاق للدفاع المشترك.
وينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الموقعة يعد هجوما عليها جميعا، مع تعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك.
وجاء الاتفاق في لحظة إقليمية مضطربة، بعد اتساع نطاق الحرب والهجمات الصاروخية والمسيرة الحوثية، وتزايد المخاوف الخليجية من امتداد الصراع إلى المنشآت الحيوية والممرات البحرية.
اللافت في الاتفاق، انه لا يرتبط بعدد الدول المشاركة بقدر ما يرتبط بموقع الدول الثلاث في النظامين الإقليمي والدولي.
وتمثل السعودية الثقل العربي والخليجي والمالي، فيما تمتلك تركيا قوة عسكرية وصناعات دفاعية واسعة وتحتل موقعا محوريا بين الشرق الأوسط وأوروبا، بينما تمتلك باكستان جيشا كبيرا وقدرة ردع نووية.
وتفتح جمع هذه العناصر داخل إطار دفاعي واحد، سؤالا يتجاوز الأزمة الراهنة:
هل نحن أمام تحالف فرضته حرب المنطقة، أم نواة لنظام أمني إقليمي تتراجع فيه مركزية الولايات المتحدة؟
الإجابة المبكرة، وفق معطيات الواقع قد تميل إلى الاحتمال الثاني، لكن بشروط؛ فالتحول لم يكتمل بعد، والاتفاق يحتاج إلى مؤسسات وآليات عسكرية حتى يتحول من إعلان سياسي إلى قدرة ردع فعلية.
من التحالف الظرفي إلى إعادة توزيع مصادر القوة
يصعب النظر إلى اتفاق مكة باعتباره قرار سعودي مفاجئ، حيث العلاقات الدفاعية بين الرياض وإسلام آباد كانت قد أخذت منحى أكثر مؤسسية قبل الاتفاق الثلاثي، عندما وقعت السعودية وباكستان في سبتمبر 2025 اتفاق دفاع استراتيجي متبادل يقوم على اعتبار الاعتداء على إحدى الدول اعتداءً على الأخرى.
ويضيف اتفاق مكة تركيا إلى هذه البنية، كما يمنحها امتدادا عسكريا وجغرافيا أوسع.
وفي المقابل، كانت السعودية وتركيا وباكستان ومصر قد طورت إطارا تشاوريا رباعيا.
ففي يونيو 2026 عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعهم الرابع في القاهرة، وأكدوا أهمية التشاور والتنسيق بشأن السلام والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
هذه الوقائع تجعل اتفاق مكة أقرب إلى مرحلة جديدة في مسار تشاور أمني وسياسي متدرج، وليس مجرد رد فعل على حرب واحدة.
لكن ذلك لا يعني أن السعودية قررت مغادرة النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة.
ويأتي الدليل الأقرب زمنيا من واشنطن نفسها؛ ففي يوليو المنصرم وقعت السعودية والولايات المتحدة اتفاقا للتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، يضع إطارا لشراكة طويلة الأمد تشمل الطاقة والتقنيات المتقدمة.
هنا تظهر المفارقة الأساسية: الرياض تعمق شراكتها مع واشنطن في الوقت نفسه الذي تبني فيه ترتيبات دفاعية مع أنقرة وإسلام آباد. فهذه ليست سياسة فك ارتباط، بقد ما هي سياسة توزيع للمخاطر.
هل تستبدل السعودية واشنطن؟
الحديث عن خروج سعودي من المظلة الأميركية، قد يبدو جذابا صحفيا، لكنه يتجاوز ما تسمح به الوقائع.
ومازالت الولايات المتحدة تملك عناصر تفوق يصعب تعويضها سريعا، خصوصا في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، والاستخباراتي والاستطلاعي، والقيادة والسيطرة، والتسليح المتقدم.
كما أن جزءً كبيرا من البنية الدفاعية السعودية نشأ داخل علاقة طويلة مع واشنطن.
وفي المقابل، فإن الاضطرابات التي تعيشها المنطقة، تدفع الرياض إلى بناء خيارات إضافية.
ويمكن اختصار المعادلة السعودية الجديدة في ثلاث دوائر: واشنطن لتوفير القدرات والتقنيات المتقدمة، تركيا للتكنولوجيا والصناعة الدفاعية والقوة العسكرية، وباكستان لتعزيز العمق العسكري والردع السياسي.
فإذا نجحت الرياض في ربط هذه الدوائر، فإنها ستكون أقل عرضة لتقلبات السياسة الأميركية، من دون أن تتخلى عن الشراكة معها، وهذا أكثر أهمية من فكرة الاستبدال.
تركيا.. الشريك المستقل داخل الغرب
يمنح وجود تركيا الاتفاق خصوصية يصعب تجاهلها؛ فهي عضو في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952، وما زال الحلف يمثل ركنا أساسيا في سياستها الدفاعية.
في الوقت ذاته، طورت خلال السنوات الأخيرة هامشا أوسع في سياستها الخارجية وقدراتها الدفاعية الذاتية.
لذلك فإن تركيا تدخل اتفاق مكة باعتبارها القوة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك عضوية في المنظومة الغربية، وقدرة مستقلة على الحركة في الوقت ذاته. وهذه الوضعية قد تكون إحدى نقاط قوة الاتفاق.
فوجود أنقرة يجعل الترتيب الجديد أقل شبها بكتلة مناهضة للغرب، وأكثر شبها بشبكة أمنية إقليمية تتوافق مع مصالح القوى الغربية من دون أن تعتمد عليها بالكامل.
لكن قد تكون هناك حدودا لهذا التوافق؛ فتركيا لديها مصالح في ليبيا والقوقاز وشرق المتوسط والبحر الأسود، بينما تتركز الأولويات السعودية في الخليج وأمن الطاقة والبحر الأحمر. في حين تنظر باكستان إلى الهند وأفغانستان باعتبارهما جزءً أساسيا من حساباتها الأمنية.
لذلك فإن الاتفاق لا يقوم على تطابق كامل في المصالح، كما يقوم على تقاطع مجموعة من المخاطر، وهذا يمنحه قوة في المدى القصير، لكنه يجعل استدامته مرتبطة بمدى استمرار هذه المخاطر وقدرة الدول الثلاث على تحديد نطاق الالتزامات.
باكستان.. قوة ردع أم مظلة نووية؟
تمثل باكستان أكثر عناصر الاتفاق حساسية؛ فوجود دولة نووية داخل اتفاق دفاع مشترك مع السعودية سيجعل الكثير من المراقبين ينظرون إلى الاتفاق من زاوية الردع النووي، خصوصا في ظل التوتر مع إيران.
لكن هذه القراءة تحتاج إلى ضبط، فالاتفاق المعلن لا ينص على ضمان نووي سعودي، ولا يعني أن أي هجوم على السعودية سيؤدي تلقائيا إلى استخدام السلاح النووي الباكستاني.
كما أكدت أطراف الاتفاق، أنه ذو طبيعة دفاعية ولا يستهدف دولة بعينها.
وتكمن القيمة الفعلية للاتفاق في المرحلة الحالية في رفع كلفة الحسابات المعادية للسعودية، وربط أمنها بعلاقة دفاعية مع دولة تمتلك قدرة ردع كبيرة، وهذا بحد ذاته تطور مهم، حتى من دون وجود مظلة نووية معلنة.
مصر الأقرب إلى الشريك الرابع
يستحق غياب مصر عن اتفاق مكة قراءة مختلفة عن فكرة أنها مستبعدة من هذا الترتيب الأمني في المنطقة، وكانت حاضرة في المسار التشاوري نفسه.
وكان الاجتماع الرابع لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، الذي عقد في القاهرة في يونيو الماضي، قد ناقش أمن المنطقة وتطوراتها، ما يعني أن صيغة الدول الأربع موجودة سياسيا، حتى وإن جاءت الصيغة الدفاعية الحالية بثلاث دول فقط.
وربما لا تريد القاهرة في هذه المرحلة تحويل إطار التشاور إلى التزام دفاعي جماعي.
كما أن القيادة المصرية لديها حسابات مختلفة تجاه ليبيا والسودان وشرق المتوسط والبحر الأحمر، إضافة إلى ما شهدته العلاقة مع تركيا خلال السنوات الماضية، من انتقال تدريجي من التنافس إلى التقارب.
وفي حقيقة الأمر، فإن إضافة مصر ستغير طبيعة الاتفاق؛ فهي ستمنحه ثقلا عربيا أكبر، وتربطه مباشرة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، وتجعله أقرب إلى إطار أمني إقليمي واسع.
لهذا قد يكون السؤال الأهم: هل تمثل مصر الحلقة المقبلة في هذا الترتيب، أم أن الصيغة الثلاثية ستبقى مقصودة بذاتها؟
وهذا ما تخبئه المرحلة المقبلة، حيث الإجابة ستكشف كثيرا عن سقف المشروع السعودي.
الصين الغائب الحاضر
لا يمكن تحليل إعادة تشكيل الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط من دون إدخال الصين.
ولعبت بكين في 2023 دورا مباشرا في رعاية استئناف العلاقات السعودية الإيرانية، وأعلنت الدول الثلاث حينها التزامها بدعم السلام والأمن الإقليميين.
وتعمل الصين على توسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي، وتملك مصلحة مباشرة في استقرار المنطقة وممرات الطاقة والتجارة، أكثر مما تقدم نفسها بديلا عسكريا عن الولايات المتحدة في الخليج.
من هذه الزاوية، يمكن أن يتعايش اتفاق مكة مع الرؤية الصينية لنظام إقليمي متعدد الشراكات.
وبالتالي فأن السعودية تستطيع التعاون مع واشنطن في الدفاع والتقنية، ومع الصين في الاقتصاد والاستثمار والدبلوماسية، ومع تركيا وباكستان في الأمن والدفاع. وهذا النموذج يمنح الرياض هامشا واسعا للمناورة.
لذلك فإن اتفاق مكة لا ينبغي قراءته داخل مثلث واشنطن والرياض وطهران فقط؛ فالمشهد يتحرك نحو شبكة علاقات متعددة المراكز.
البحر الأحمر.. حيث يبدأ الاختبار الحقيقي
بالنسبة إلى اليمن، هنا تكمن أهم دلالات الاتفاق، حيث بات أمن السعودية جزءً من أمن البحر الأحمر وباب المندب.
وتثبت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الحوثية القادمة من اليمن خلال السنوات الماضية، أن العمق السعودي والساحل الغربي للجزيرة العربية مرتبطان بمنظومة تهديد واحدة.
كما أصبح أمن الملاحة في البحر الأحمر جزءً من الأمن الاقتصادي والاستراتيجي للسعودية، خصوصا مع ارتباطه بموانئها ومشروعاتها الساحلية وبطرق التجارة والطاقة.
لهذا فإن تطور اتفاق مكة نحو تعاون دفاعي بحري سيكون ذا أثر مباشر على اليمن.
حيث تمتلك تركيا حضورا عسكريا وتدريبيا في الصومال، بينما تمتلك باكستان خبرة بحرية واسعة بحكم موقعها على بحر العرب والمحيط الهندي، وتربط السعودية مصلحة مباشرة في أمن البحر الأحمر وسواحله الشرقية.
هذا التقاطع لا يعني أن تركيا وباكستان ستدخلان الحرب في اليمن.
ومن المحتمل أن تركز المرحلة الأولى على الإنذار المبكر، وتبادل المعلومات، وحماية الملاحة، والدفاع الجوي، وتأمين المنشآت الحيوية.
أما الانتقال إلى عمليات عسكرية مباشرة ضد الحوثيين فيحتاج إلى قرار سياسي مستقل، وهو ما لا يوفره اتفاق مكة الحالي.
هل يتحول اليمن إلى ساحة اختبار للردع الجديد؟
هنا المعادلة تبدو أكثر تعقيدا، فإذا أصبحت السعودية قادرة على ربط قدراتها الدفاعية مع تركيا وباكستان، فإن الهجمات القادمة من اليمن ستدخل ضمن حسابات أوسع من العلاقة السعودية الحوثية. في هذه الحالة، يمكن أن تتغير وظيفة الردع.
وستملك السعودية قدرة أكبر على حماية مجالها الجوي والمنشآت الحيوية، بينما قد يصبح أي تصعيد حوثي واسع اختبارا لمدى استعداد الشركاء الجدد لتحويل التزاماتهم السياسية إلى دعم فعلي. وهذا يضع الحوثيين أمام معادلة جديدة أيضا.
كما أن إيران، من جانبها، ستراقب ما إذا كان الاتفاق يتحول إلى منصة لتقليص قدرتها على استخدام الوكلاء والضغط غير المباشر.
وقد يكون أحد خياراتها دفع الحوثيين إلى المحافظة على مستوى من التصعيد يضغط على السعودية من دون الوصول إلى مواجهة مباشرة مع الدول الثلاث.
لكن هناك احتمالا معاكسا، إذا أصبح الردع السعودي أكثر وضوحا، فقد تدفع المخاطر المتزايدة طهران إلى ضبط مستوى التصعيد عبر حلفائها.
لهذا فإن أثر اتفاق مكة على اليمن قد يسير في اتجاهين متناقضين: رفع كلفة التصعيد، أو دفع أطراف الصراع إلى اختبار حدود المظلة الجديدة.
إسرائيل تدخل المعادلة من زاوية أخرى
لا يحدد الاتفاق إسرائيل أو إيران باعتبارهما عدوا، وهذه نقطة يجب الحفاظ عليها عند قراءة أهدافه.
بيد أن التحول في موازين الردع الإقليمية سيؤثر حتما في حسابات إسرائيل، خصوصا إذا تطور الاتفاق إلى تعاون دفاعي وصناعي واستخباراتي طويل الأمد.
فالسعودية لا تريد بالضرورة تحويل الاتفاق إلى محور عسكري معادٍ لإسرائيل، كما أن تركيا لا تتعامل مع الملف الإسرائيلي بالطريقة نفسها التي تتعامل بها باكستان.
والأقرب، أن الاتفاق يمنح الدول الثلاث قدرة أكبر على المناورة في مواجهة الأزمات الإقليمية، بما فيها الحرب الإسرائيلية والفلسطينية والتوتر مع إيران. وهذا مغاير تماما عن بناء حلف موجه ضد إسرائيل.
هل يمكن أن يستمر الاتفاق؟
سيكون الاختبار الأكبر الذي سيخضع له الاتفاق، في تضارب المصالح، فهذه الدول لا تحتاج إلى الاتفاق لأنها تتفق على كل شيء، ولكن لأنها وجدت نفسها تواجه مصادر تهديد مشتركة.
غير أن التحالفات التي تقوم على التهديدات المشتركة تواجه سؤال الاستدامة عندما تتغير طبيعة التهديد، لذلك فإن بناء المؤسسات سيكون أهم من البيانات السياسية.
وسيكون الاتفاق قد انتقل الى مستوى مختلف، إذا ظهرت آلية قيادة مشتركة، وتدريبات دورية، وتبادل استخباري، وربط لأنظمة الإنذار والدفاع الجوي، ومشروعات صناعات دفاعية مشتركة.
أما إذا بقيت الالتزامات في حدود المشاورات السياسية والتضامن عند الأزمات، فسيظل اتفاق مكة أقرب إلى ترتيب ردعي ظرفي.
ثلاثة مسارات أمام اتفاق مكة
يمكن تصور مستقبل الاتفاق عبر ثلاثة مسارات.
المسار الأول: تحالف ظرفي، حيث تحتوي الدول الثلاث الأزمة الحالية، ثم يعود التعاون إلى مستوى سياسي وعسكري محدود. في هذه الحالة تبقى الولايات المتحدة مركز الثقل الأمني الخارجي للسعودية.
المسار الثاني: شبكة ردع متعددة. ويتطور الاتفاق إلى تعاون في الدفاع الجوي والصاروخي والاستخبارات والصناعات العسكرية، مع استمرار الشراكة الأميركية. هنا تتراجع مركزية واشنطن من دون أن تختفي.
المسار الثالث: نظام أمني إقليمي جديد. إذ تنضم دول أخرى، وفي مقدمتها مصر، وتظهر مؤسسات قيادة وسيطرة مشتركة، وتتوسع الشراكات الدفاعية والبحرية، وتصبح الدول الإقليمية قادرة على إدارة جانب أكبر من أمنها من دون الاعتماد على قرار قوة خارجية واحدة.
عندها فقط يصبح الحديث عن تحول تاريخي في النظام الأمني للشرق الأوسط ممكنا.
ما الذي تغير فعلا؟
قد يكون من المبكر وصف اتفاق مكة بأنه “حلف إسلامي”، كما أن وصفه بأنه “بديل عن الولايات المتحدة” في اللحظة الراهنة أو حتى خلال المرحلة المقبلة، قراءة مبالغة.
ويتمثل التغيير الأكثر واقعية في انتقال السعودية من مفهوم المظلة الأمنية الواحدة إلى مفهوم شبكة المظلات المتعددة.
حيث ستبقى واشنطن شريكا رئيسيا في التسليح والتقنية والطاقة والتعاون الاستراتيجي. فيما تدخل تركيا باعتبارها قوة إقليمية ذات صناعة دفاعية واستقلال نسبي في القرار. وتضيف باكستان عمقا عسكريا وردعيا. كما تبقى الصين شريكا اقتصاديا ودبلوماسيا مهما. وتقف مصر خارج الاتفاق الدفاعي الثلاثي، لكنها داخل مسار التشاور الإقليمي الذي يمكن أن يتطور لاحقا.
في هذه الصورة، لا تنسحب السعودية من النظام الأميركي، وإنما تعمل على تقليل قدرة أي طرف خارجي على احتكار أمنها، وهذا هو التحول الذي يستحق المتابعة.
الخلاصة
لا يعلن اتفاق مكة ولادة نظام أمني إقليمي جديد، ولكنه قد يفتح الباب أمامه.
ولن يكون الاختبار من خلال البيانات ولا في الصور التي جمعت قادة الدول الثلاث في مكة. سيأتي الاختبار عندما تتعرض إحدى الدول الموقعة لتهديد فعلي، أو عندما يتحول الاتفاق إلى مؤسسات دفاعية قابلة للعمل.
وبالنسبة إلى اليمن، سيكون البحر الأحمر المجال الأكثر حساسية لهذا الاختبار.
فإذا تطور الاتفاق إلى دفاع جوي وصاروخي وتعاون بحري واستخباري، فإن الجغرافيا اليمنية ستدخل بصورة أوضح في حسابات منظومة الردع الجديدة.
وهنا سيجد الحوثيون أنفسهم أمام بيئة أمنية تختلف عن تلك التي اعتادوا التعامل معها خلال السنوات الماضية.
أما بالنسبة للسعودية، فسوف تواجه اختبارا أكثر أهمية، فهل سوف تستطيع تحويل تنويع الشراكات إلى قدرة مستقلة على الردع، مع المحافظة في الوقت نفسه على علاقتها الاستراتيجية بواشنطن؟
إذا نجحت في ذلك، فإن اتفاق مكة سيكون خطوة أولى نحو شرق أوسط تتوزع فيه مصادر القوة والردع، وتتراجع فيه مركزية المظلة الأميركية من موقع الاحتكار إلى موقع الشريك بين شركاء.
وهنا تحديدا يصبح السؤال اليمني جزءً من سؤال إقليمي أكبر:
هل يتحول البحر الأحمر من ساحة للصراع بالوكالة إلى أول اختبار لنظام أمني إقليمي تصنعه قوى المنطقة نفسها؟

