آخر الأخبار

spot_img

هجوم الحوثيين على مأرب.. هل دخلت الحرب مرحلة استهداف العمق العسكري؟

“صحيفة الثوري” – خاص:

تقرير تحليلي: خليل الزكري

شهدت جبهات شرق اليمن، أمس الخميس، تصعيدا عسكريا بارزا عبر هجوم صاروخي ومسير واسع شنته مليشيا الحوثي على عدد من المعسكرات والمواقع التابعة للقوات الحكومية في محافظة مأرب ومحيطها في منطقة العبر التابعة لمحافظة حضرموت، في واحدة من أكبر الضربات التي طالت تجمعات عسكرية خلال الفترة الأخيرة.

وأشارت التقديرات الأولية إلى سقوط ما لا يقل عن 50 قتيلا وجريحا، قبل أن تعلن قيادة العمليات المشتركة للقوات المسلحة اليمنية في بيان لها، أول حصيلة رسمية مقتل 17 جنديا وضابطا وإصابة آخرين، مؤكدة أن عمليات حصر الخسائر ما تزال مستمرة، وهو ما يفسر التباين بين الروايات الأولية والأرقام الرسمية.

وتركزت الضربات على معسكر الثنية في منطقة الرويك شرقي مأرب، إلى جانب مواقع عسكرية في منطقة العبر.

وشملت الضربات عنابر سكن الجنود ومخازن للذخيرة، إضافة إلى مواقع مرتبطة بتحشيدات عسكرية تتبع قوات الطوارئ وقوات درع الوطن.

وتزامن الهجوم الحوثي مع تجمع للقوات في طابور صباحي، وهو ما ضاعف من تأثير الضربة مقارنة باستهداف وحدات منتشرة ميدانيا.

أهمية الأماكن المستهدفة

تكمن أهمية المواقع التي تعرضت للهجوم الحوثي في إرتباطها ضمن شبكة الإمداد والانتشار في الجبهة الشرقية.

فالرويك تمثل إحدى المناطق الخلفية الداعمة لعمليات مأرب، فيما تشكل العبر عقدة لوجستية تربط محافظات شرق اليمن بمناطق العمليات، الأمر الذي يمنح استهدافها بعدا يصل إلى التأثير في حركة الإمداد وإعادة الانتشار.

ومن هذه الزاوية، تبدو الضربة محاولة لإرباك البنية اللوجستية للقوات الحكومية، وإيصال رسالة بأن مناطق العمق العسكري واقعة ضمن نطاق الاستهداف.

هل يكشف الهجوم عن طبيعة العمليات؟

وأعلنت مليشيا الحوثي تنفيذ الهجوم باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، وهو ما أكدته أيضا قيادة العمليات المشتركة في بيانها، التي أوضحت فيه، أن القوات المستهدفة تعرضت لهجوم بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة انتحارية أثناء تنفيذ مهام عسكرية في مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة.

ويعزز توافق الروايتين بشأن طبيعة وسائل الهجوم فرضية استخدام هجوم مركب يجمع بين الصواريخ والطائرات المسيرة، فيما لا تزال التفاصيل الفنية المتعلقة بعدد المقذوفات وأنواعها ومدى دقتها غير معلنة.

كما تكشف الضربة عن محدودية قدرات الإنذار والدفاع الجوي لدى القوات الحكومية، وهو ما أسهم في ارتفاع حجم الخسائر وصعوبة التعامل مع هجمات من هذا النوع.

ويطرح الهجوم سؤالا عملياتيا لا يقل أهمية عن نوعية الأسلحة المستخدمة، وهو كيفية تمكن الحوثيين من تحديد مواقع وحدات عسكرية تتحرك في مناطق خلفية بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر.

فإذا ثبت أن الاستهداف أصاب مواقع محددة بدقة، فإن ذلك قد يعكس تطورا في منظومة جمع المعلومات والاستطلاع، سواء عبر المراقبة الجوية أو شبكات التجسس البشرية، أو وسائل الرصد الأخرى.

وهو تطور قد يشكل تحديا أمنيا لا يقل خطورة عن الصواريخ والطائرات المسيرة نفسها.

تصعيد أم تحول في قواعد الاشتباك؟

يطرح الهجوم سؤالا يتجاوز الخسائر: هل يمثل بداية حملة منظمة لاستهداف العمق العسكري، أم أنه حلقة جديدة ضمن حرب الاستنزاف المستمرة وتحسين شروط التفاوض؟

فمنذ إعلان الهدنة في 2022 يبدو الهجوم من بين أكبر الضربات التي استهدفت تجمعات للقوات الحكومية، سواء من حيث عدد الأهداف، واتساع النطاق الجغرافي، ومستوى التنسيق الزمني، وحجم الخسائر.

وتشير المعطيات إلى أن عدة مواقع تعرضت للاستهداف في توقيت متقارب، وهو مؤشر على تطور في أسلوب إدارة العمليات العسكرية وتنسيق الضربات، إذا أكدت المعطيات الميدانية أن العملية نفذت ضمن خطة عملياتية واحدة.

البعد الإقليمي

ويتجاوز توقيت الهجوم الحوثي حدود المواجهة المحلية. ويتزامن مع ترتيبات أمنية إقليمية متسارعة، تقودها السعودية في البحر الأحمر وباب المندب والبحر العربي، وفي وقت تتزايد فيه مؤشرات إعادة تنظيم القدرات العسكرية للقوات الحكومية في العديد من الجبهات.

ويمنح هذا التوقيت الهجوم بعدا يتجاوز الجبهة المحلية، إذ قد يحمل رسالة إلى الرياض في ظل الترتيبات الأمنية والعسكرية الجارية، وما يرتبط بها من إعادة تموضع للقوات الحكومية في بعض الجبهات.

وقد بررت مليشيا الحوثي الهجوم بأنه رد على ما وصفته بـ”الحشود السعودية” التي كانت مجهزة لاستهداف مواقع الحوثيين في العديد من الجبهات.

أما وزارة الدفاع في الحكومة الشرعية، أكدت أن الرد سيكون في “الزمان والمكان المناسبين”.

ويعكس ذلك استمرار تداخل الجبهة اليمنية مع الحسابات الأمنية الإقليمية، حيث بات أي تصعيد ميداني يحمل رسائل تتجاوز خطوط التماس المباشرة.

تداعيات عسكرية محتملة

يفرض الهجوم تحديات عملياتية أمام القوات الحكومية، من بينها مراجعة إجراءات حماية المعسكرات، وآليات توزيع القوات، وإدارة التجمعات العسكرية، ورفع مستوى الإنذار المبكر، خصوصا في المواقع خارج خطوط المواجهة المباشرة.

وأشار بيان قيادة العمليات المشتركة إلى صدور توجيهات باتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع تكرار مثل هذه الهجمات، وهو ما يعزز التوقعات باتجاه مراجعة ترتيبات الحماية والانتشار في المعسكرات الواقعة ضمن العمق العسكري.

ومن المرجح أن يدفع القيادة العسكرية إلى إعادة تقييم أنماط الانتشار في المناطق الخلفية، كونها باتت جزءً من مسرح العمليات، أكثر من كونها مجرد مناطق إسناد.

كما يفتح بيان القيادة بابا لتحليل آخر يتعلق بطبيعة القوات المستهدفة، إذ أوضح أنها كانت تنفذ مهاما تشمل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتأمين الطرق وإحباط عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات.

وهو ما قد يشير إلى أن اختيار الأهداف ارتبط أيضا بمحاولة التأثير على هذه المهام، إلى جانب الأهداف العسكرية المباشرة.

مرحلة تستدعي المتابعة

يشكل الهجوم الحوثي مؤشرا على اتجاه العمليات خلال المرحلة المقبلة. فإذا أعقبته سلسلة من الضربات المشابهة ضد مراكز القيادة والإمداد، سيكون ذلك بداية نمط جديد يركز على استنزاف العمق العسكري للقوات الحكومية.

أما إذا بقي حادثة منفردة ضمن دورة التصعيد المعتادة، فسيظل في إطار معادلة الرد والرد المضاد التي تحكم الصراع منذ سنوات.

وحتى تتضح الصورة، يبقى المؤشر الأهم هو ما ستكشفه الأيام المقبلة بشأن وتيرة الهجمات، وطبيعة الرد الحكومي، ومدى قدرة كل طرف على فرض قواعد اشتباك جديدة في واحدة من أكثر جبهات الحرب اليمنية حساسية.

وسيحدد تكرار هذا النمط من الهجمات أو اقتصاره على هذه العملية، ما إذا كان الصراع يتجه فعلا نحو استهداف العمق العسكري، أم أن الضربة تندرج ضمن دورة التصعيد التقليدية التي شهدتها الحرب خلال السنوات الماضية.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img