آخر الأخبار

spot_img

نحن في اليمن لم نفشل لأن الطريق كان مرصوفاً بالخيبات، بل لأننا تركنا قلوبنا على أبواب الخوف، حتى صار الفشل من يحكمنا

“صحيفة الثوري” – (رأي):

أ.د/ عبدالله غالب المعمري

نحن في اليمن حقّاً لم نفشل لأن الطريق كان مرصوفًا بالخيبات، ولا لأن رياح التغيير كانت دائماً تعاكس أحلامنا، بل لأن الخوف تسلل إلى أرواحنا حتى أقنعنا أن الصمت طوق نجاة، وأن التراجع حكمة، وأن الانتظار أسلوب حياة أفضل.

لا أقصد الفشل في وزارة التعليم العالي والفساد الذي عشناه ونعيشه ونتعايش معه في معظم مؤسسات الدولة.

أقصد أننا تركنا قلوبنا معلقة على أبواب الخوف، وأعطيناه مفاتيح مستقبلنا، حتى أصبح تسونامي الفشل الذريع سيد المشهد، يحاصرنا في كل المجالات، لا لأنه أقوى منا، بل لأننا منحناه السلطة على إرادتنا وأعناقنا.

صار الإنسان اليمني يخشى أن يحلم، ويخاف أن يتكلم، ويتردد حتى في الدفاع عن أبسط حقوقه، وكأن الحياة القاسية أصبحت عقوبة سهلة لا تستحق المقاومة.

لقد أثقلت الحرب كاهل اليمنيين، ومزقت خنادق السياسة أوصال المجتمع، وأرهق البؤس والفقر ملايين الأسر. لكن أخطر ما أصابنا لم يكن الدمار الهائل الذي طال كل تفاصيل حياتنا، بل ذلك الشرخ الذي أصاب النفوس، وذلك الخواء الفكري، والشلل الحركي الذي أصاب كل مكونات المجتمع. وحين يموت الأمل في داخل الإنسان، يتعثر الحلم في منتصف الطريق.

بالتأكيد، نحن لسنا أمام أزمة موارد، ولا أزمة رجال، ولا أزمة تكنوقراط شرفاء فحسب، بل نحن أمام أزمة ضمير، وجفاف أخلاقي، وتصحر إنساني. أزمتنا أزمة موقف شجاع، مما جعل بعض القوى الفوضوية تتطاول، وتتقن إدارة الخلاف أكثر من إدارة القواسم المشتركة، وتجيد صناعة الخصومات أكثر من حل مشكلات الحاضر وصناعة المستقبل.

فعلاً، إنها مآسٍ لا تُقاس بالأرقام، بل بدموع الأمهات، وحزن الآباء، وانكسار جيل كامل يبحث عن وطن يسوده الرفاه، ويشبه أحلامه.

نعم، يجب أن نعترف أننا في اليمن فشلنا… فشلنا يوم أصبح الارتهان عقيدة، والارتزاق فضيلة، والسكوت عن الظلم أسلوب حياة. فشلنا عندما اكتفينا بالبكاء كالنايحات، نلطم الخدود على أطلال وطن ينهار كل يوم، بينما كنا نملك القدرة على أن نقول: كفى، ونستعيد روح المبادرة بالموقف.

فشلنا لأننا تركنا الوطن يُنهش قطعةً قطعة، وكل فريق يظن أن النار لن تصل إلى بيته، حتى التهمت ألسنة اللهب الجميع دون استثناء.

لم يكن الخراب قدراً، بل نتيجة سنوات من الصمت المخيف، والتنازل، والانقسام السخيف الرأسي والأفقي، والعمالة، والارتزاق، وبيع المواقف، والتكيف مع القبح مهما كان مريراً. فالتاريخ يقول إن الأوطان لا تموت حين تُهزم في معركة أو معركتين، بل تموت حين يستسلم أهلها للهزيمة في قلوبهم، وللخواء في عقولهم.

نعم، نعترف أننا عجزنا، وأننا فشلنا، وأننا سقطنا في الوحل كنخب سياسية، وقيادات عسكرية، وأكاديميين، ومفكرين، ومعلمين، ونقابيين، وإعلاميين، وتكنوقراط، في إدارة اليمن وحمايتها والحفاظ عليها.

فسقطت اليمن في أحضان الفساد، وبأيدي الحثالة، وأصبح الفاشلون المتنطعون يحكمون ويتحكمون فينا. وستبقى اليمن، رغم عمق الجرح المفتوح، وحجم المأساة، تستحق أن نحلم بها، وأن تكون، وأن نضحي، ونفكر، ونعمل من أجلها.

فإذا كان الأمس قد كتب قصة الفشل الكبيرة، فإننا نؤمن بأن فجراً جديداً يمكن أن يولد حتى من أكثر الليالي ظلمة، إذا، وإذا، وإذا استنفرنا إمكانياتنا، واستنهضنا كل عوامل القوة فينا كشعب، ونظمناها في إدارة المعركة الأخيرة، معركة الجمهورية الاتحادية الثانية.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img