“صحيفة الثوري” – (رأي):
أ.د. عبدالله غالب المعمري
في اليمن، حيث يتقاسم الحرب والجوع والمرض والفساد مصير الملايين من الناس، يبدو أن جزءًا من الخطاب الديني يعيش حالة غيبوبة في عالم آخر؛ عالمٍ لا تكون فيه المأساة انهيار الدولة، ولا تشريد الأسر، ولا نهب الثروات، ولا اعتقال المعارضين وحبس الأبرياء من البسطاء في السجون، ولا تجويع الأطفال، ولا سحق الكرامة الإنسانية، بل خصلة شعر، أو لون ومقاس عباءة، أو صوت امرأة، أو مشاهد النساء في مباراة أو مسلسل تركي على التلفزيون، أو مساحة الحرية التي تتحرك فيها المرأة للتنقل بين المدن.
هنا تكمن أزمة الخطاب الديني وأزمة الأولويات؛ حيث تحول جسد المرأة وخروجها واختلاطها العام بالمجتمع، في كثير من الخطب والفتاوى المتطرفة، إلى ساحة معركة كبرى، بينما تُركت المعارك الحقيقية بلا مقاتلين: معركة استعادة وبناء الدولة، ومعركة مكافحة الفساد، وإقامة قيم العدالة، ومعركة استعادة التعليم، وإنقاذ الاقتصاد، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وحماية الإنسان من القهر والاستبداد والظلم.
ليس المقصود بهذا النقد جميع مشائخ الدين أو الدعاة، فثمة رجال دين حملوا هموم الناس، ووقفوا في وجه الظلم والفساد، وجعلوا من الحرية والعدل وبناء أسس الدولة مقاصد عليا للدين.
لكن المشكلة تكمن في الخطاب الديني المتشنج لبعض شيوخ السلفيين والحوثيين والإخوان المسلمين، واسع الانتشار، والذي ينمو كخلايا السرطان، وقد اختزل التدين والدين في مراقبة واضطهاد النساء، وكأن المجتمع لا ينهار إلا إذا خرجت امرأة عن القالب الذي رسمه لها ذلك التعصب والانغلاق الديني، وكأن خلاص الأمة يبدأ من خزانة (دولاب) ملابس المرأة وحركتها، لا من إصلاح مؤسسات الدولة.
إن أزمة اليمن ليست أزمة أخلاق نسائية، بل أزمة أخلاق ذكورية بامتياز، أدت إلى أزمة دولة، وأزمة حكم، وأزمة فساد، وأزمة سلاح خارج سلطة القانون، وأزمة تعليم وصحة وعدالة. ولا يمكن لأي مجتمع أن ينهض إذا ظل يطارد القضايا الهامشية، ويترك جذور الانهيار تنمو كخيوط الفطر، بلا مضادات وبلا مقاومة.
لقد جاء القرآن الكريم شديد الوضوح في تقديم فقه الأولويات، في كثير من آياته، بالحديث عن العدل، والميزان، وحقوق الضعفاء، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، ومحاربة الظلم والطغيان، وإغاثة الملهوف، والرحمة، ورعاية حقوق اليتيم والمسكين، ومعالجة مظالم الناس. وتتكرر هذه المعاني في السيرة النبوية بوصفها أسسًا للعمران الإنساني. فهذه ليست قضايا هامشية، بل هي المقاصد الكبرى وجوهر الرسالة الدينية.
إن الدين الذي يحمل هموم الناس، ويقف مع المظلوم، ويواجه مافيا الفساد، ويقاوم الاستبداد والتمييز السلالي والجهوي والسياسي، هو الدين الذي يبني الأوطان. أما الدين الذي يختزل رسالته في مراقبة حركة وأنفاس النساء، فإنه يتخندق خارج حاجات الناس، ويفقد قدرته على قيادة المجتمع نحو الإصلاح الحقيقي. فالدين لا يزدهر في بيئة الفساد، ولا يستقيم مع الاستبداد، ولا يكتمل أثره إذا انصرف عن معاناة الناس اليومية.
ولعل أخطر ما يترتب على هذا الاختلال في الأولويات هو تشويه صورة التدين نفسه لدى الأجيال الجديدة، التي ترى أن بعض الخطابات تتشدد في المسائل الفردية، بينما تتساهل أو تصمت أمام قضايا تمس حياة ملايين البشر. وعندما يحدث ذلك، لا تتراجع الثقة في هذا الخطاب فحسب، بل تتضرر صورة الدين برمته في الوعي العام.
إن اليمن اليوم بحاجة إلى خطاب ديني منفتح، معتدل، يعيد ترتيب سلم فقه الأولويات؛ خطاب ديني ثوري يجعل مكافحة الفساد عبادة، والدفاع عن العدالة فريضة، وحماية الإنسان مقصدًا شرعيًا، وبناء الدولة مسؤولية أخلاقية كبرى، واحترام المرأة وحقوقها جزءًا من احترام الإنسان، لا ساحةً دائمة للوصاية والمراقبة والصراع العقيم.
ولعل أخطر نتائج هذا الخطاب الديني المنغلق، والمشحون بالحقد والتخلف والتعصب، التي تتبناه وتديره دوائر خطيرة، وغالبًا ما تكون ممولة، داخل حركات السلفيين والحوثيين والإخوان المسلمين، هو ذلك الخطاب الديني والسياسي العصبي، المتطرف والمتعجرف، الذي يصنع وعيًا مشوهًا، صداميًا، تهكميًا، مشغولًا بالقشور وبالهامش، بينما تتآكل أمامه الأسس العامة المرتبطة بحقوق الناس.
فمن السهل، في هكذا مجتمع مشحون بالتخلف والجهل والعاطفة، أن يُثار الناس حول لباس امرأة، أو أغنية لها، أو خصلة شعر، أو سفرها لزيارة الأقارب، لكن من الأصعب أن يُحشدوا ضد سلطات الظلم والفساد، أو للمطالبة ببناء مؤسسات دولة قوية، أو للدفاع عن قضاء مستقل، أو لاستعادة دولة مواطنة وقانون تحمي الجميع. حقًا، لقد اختُطف المنبر من رسالته، وتحول في بعض الأحيان من منبرٍ يوقظ الضمير نحو التغيير إلى منصةٍ تُخدر الوعي، ومن فضاءٍ لصناعة الإنسان الحر إلى مصنعٍ لإنتاج الخوف والطاعة والامتثال والتهكم.
الخلاصة:
إن الأمم لا تسقط أبدًا لأن نساءها أسقطن البراقع وخرجن إلى المجتمع بعباءة ملونة، وكعبٍ عالٍ، وعلى وجوههن مساحيق تجميل، أو لأن لديهن حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما تسقط الأمم حين تسقط الأخلاق، ويختل ميزان الأولويات عند مشائخ الدين السياسي وعرابي السياسة، وفي غيبوبة واضمحلال الخطاب الديني والسياسي نفسه، الذي فقد بوصلته واستبدل معاركه الحقيقية بمعارك وهمية مبتذلة.
أيها السالكون إلى الله، ليس حجاب المرأة هو الذي يحجب الأمة عن النور، بل حجاب العقول المتكلسة حين تعشق السلطة والمال أكثر مما تعشق دين الحقيقة. وليس الخطر في وجه امرأة مكشوف، بل في وجه الظالم الذي اعتاد أن يرى الناس ركعًا أمامه. وليس العري عري الجسد، وإنما عري الضمير حين يصمت أمام الجوع، ويبرر الظلم، ويتعايش مع قوى الفساد.
أيها السالكون إلى الله، أي ورع هذا الذي يوقظ الناس للفزع من خصلة شعر، أو مشاهدة مباراة في التلفزيون، أو من زيارة امرأة وحيدة لأهلها، ولا يوقظهم للفزع من مدينة تتضور نساؤها وأطفالها جوعًا، ويتوسدها الخوف، ويسودها الظلام؟ أي وعظ هذا الذي يرى ذراع امرأة، ولا يرى ذراع الفاسد وهي تمتد إلى خزائن الدولة؟ أي زهد هذا وأنتم تأكلون وتشربون وتخزنون مع الفساد، وتسمرون وتنامون في أحضانه؟ أي تقوى هذه التي تستأسد على البسطاء والضعفاء، ثم تصمت أمام المستبدين الظالمين الفاسدين المرتزقة؟
الحقيقة أن الخطاب الديني اليمني المهترئ لقوى الإسلام السياسي أصبح جزءًا أصيلًا من المأساة اليمنية.

