آخر الأخبار

spot_img

اليمن أمام أسابيع حاسمة.. قراءة في ما تكشفه إحاطة غروندبرغ عن خطر الحرب وفرص التسوية

“صحيفة الثوري” – (رأي وتحليلات) – خاص:

خليل الزكري

خلال أسابيع قليلة فقط، قد تتبدد أربع سنوات من الهدوء النسبي في اليمن. هذا هو التحذير الأكثر حدة الذي حملته إحاطة المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، أمس الخميس، أمام مجلس الأمن. في وقت تواجه فيه البلاد، وفق تقديره، خطر العودة إلى حرب واسعة النطاق أكثر من أي وقت مضى منذ هدنة 2022.

وتتجاوز أهمية الإحاطة التحذير من الحرب، حيث وضع غروندبرغ أمام مجلس الأمن معادلة أكثر تعقيدا: نافذة زمنية تضيق أمام الوساطة، ومسار تفاوضي ما زال ممكنا، وقوى إقليمية ودولية تملك نفوذا أكبر من قدرة الوساطة وحدها على ضبط التصعيد.

أخطر اختبار منذ هدنة 2022

اختار غروندبرغ عبارة “أكثر من أي وقت مضى” لوصف خطر العودة إلى حرب واسعة النطاق منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022.

ووضع بذلك اليمن أمام أخطر اختبار منذ تلك الهدنة، مع تقدير واضح بأن التصعيد الحالي يمكن أن يتجاوز الاحتكاكات المحدودة خلال “أسابيع قليلة”.

هذه العبارة تمنح الإحاطة بعدا زمنيا بالغ الأهمية، حيث المبعوث الأممي يتحدث عن نافذة ضيقة أمام الدبلوماسية، وأن استمرار المسار الحالي قد ينتج واقعا عسكريا يصعب احتواؤه سياسيا.

وتأتي هذه المخاوف على وقع تصعيد إقليمي متسارع، وعودة الهجمات الحوثية ضد أهداف ومواقع للقوات الحكومية وأخرى سعودية، وسط تزايد المخاوف من انتقال التوتر إلى الجبهات اليمنية على نطاق أوسع.

الهدوء الذي لم يتحول إلى سلام

أربع سنوات من انخفاض مستوى العنف لم تنتج تسوية سياسية.

مع أن الهدنة نجحت في خلق مساحة للتنفس وتحسين بعض جوانب الحياة اليومية، كما أتاحت فرصة لبناء تفاهمات اقتصادية وإنسانية، لكنها تركت القضايا الأساسية للصراع معلقة.

وهنا تكمن المفارقة المركزية في الحالة اليمنية، حيث استمر الهدوء لفترة أطول بكثير من عمر الهدنة الرسمي، في حين بقي الاتفاق السياسي الذي كان يفترض أن يخرج من هذا الهدوء غائبا.

ولهذا تبدو العودة إلى القتال اليوم أكثر خطورة من مجرد استئناف الحرب السابقة.

كما أن أي تصعيد واسع قد يضرب التفاهمات الهشة التي نشأت خلال سنوات الهدوء، ويعيد فتح ملفات عسكرية واقتصادية وإنسانية جرى احتواؤها جزئيا من دون حل جذري.

عندما يصبح الاقتصاد جزءً من هندسة الأمن

أبرز ما يلفت في إحاطة غروندبرغ هو موقع الاقتصاد داخل مقترح خفض التصعيد.

إذ يبدو، استئناف صادرات النفط، وتشغيل الرحلات التجارية من وإلى مطار صنعاء، واستمرار وصول السفن التجارية إلى الموانئ اليمنية، ودفع رواتب موظفي الدولة، واستعادة الخدمات الأساسية؛ وكلها ملفات اقتصادية في ظاهرها، لكنها تحولت في الرؤية الأممية إلى أدوات مباشرة لتثبيت الهدوء.

وكانت الحكومة اليمنية قد أعلنت في يوليو الماضي استئناف تصدير النفط، مع توجيه الإيرادات نحو الرواتب والخدمات.

وربط غروندبرغ هذه الملفات داخل إحاطته الموجهة إلى مجلس الأمن يعكس فهما أمميا أكثر وضوحا لطبيعة الصراع اليمني.

ويتمثل هذا الفهم، في أن الاقتصاد أصبح جزءً من معادلة الأمن، وأي انفراج اقتصادي يمكن أن يخدم التهدئة، كما يمكن أن يؤدي استمرار الضغوط الاقتصادية، بالمقابل، إلى إعادة إنتاج التوتر.

لهذا يطرح غروندبرغ فكرة جوهرية، تجعل مكاسب التعاون أكبر من مكاسب المواجهة.

وهذه المعادلة قد تكون أكثر أهمية من أي إجراء منفرد؛ لأن استمرار الحرب في اليمن ارتبط خلال السنوات الماضية بتعدد أدوات الضغط الاقتصادي، من النفط والرواتب إلى الموانئ والنقل والخدمات.

من إدارة التصعيد إلى تسوية الصراع

وكانت عبارة غروندبرغ: “الوساطة لا يمكن أن تحل محل الإرادة السياسية” من أكثر عبارات الإحاطة دلالة.

ويرى المبعوث الأممي، أن العناصر الأولية للمسار المقبل تتمثل في خفض التصعيد، والعمل نحو وقف إطلاق نار راسخ، والتهدئة الاقتصادية، ومواصلة الانخراط مع الأمم المتحدة، ثم إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة بقيادة يمنية.

بيد أن المعضلة تكمن في تحويل هذه العناصر إلى قرارات قابلة للتنفيذ.

لكن ثمة فجوة أكبر تظهر عند الانتقال من إدارة التصعيد إلى التسوية، إذ ركزت الإحاطة على وقف إطلاق النار والتهدئة الاقتصادية وإعادة إطلاق العملية السياسية، من دون الدخول في القضايا التي ستحدد شكل التسوية نفسها.

ويمثل شكل الدولة إحدى هذه العقد، فالتفاوض على إنهاء الحرب سيصطدم بالسؤال حول طبيعة الدولة المقبلة، وتوزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم، وترتيبات توزيع السلطة والثروة بصورة قابلة للحياة.

أما الترتيبات الأمنية فتفتح ملفا أكثر حساسية: مستقبل القوات والتشكيلات المسلحة، وآليات دمجها أو إعادة تنظيمها، ومن يملك قرار استخدام القوة في الدولة المقبلة. وهذه القضية ستظل مرتبطة مباشرة بقدرة أي اتفاق سياسي على الصمود.

وتأتي القضية الجنوبية في قلب هذه المعادلة، فالجنوب لا يدخل أي تسوية باعتباره ملفا فرعيا داخل الحرب بين الحكومة والحوثيين، وإنما باعتباره قضية سياسية لها مطالبها وتمثيلاتها وتوازناتها الخاصة.

لذلك فإن أي عملية سياسية لا تمنح القضية الجنوبية موقعا واضحا في بنية التسوية ستواجه اختبارا مبكرا لشرعيتها وقدرتها على الاستمرار.

وهذه الملفات لا تحتاج إلى حسمها في إحاطة أممية، لكنها تكشف الفارق بين وقف الحرب وتسوية أسبابها؛ فالأول يمكن أن يتحقق عبر تفاهمات أمنية واقتصادية، أما الثاني فيحتاج إلى اتفاق سياسي يعيد تعريف شكل السلطة والدولة وعلاقات القوة داخل اليمن.

البعد الإقليمي.. من يملك مفاتيح التصعيد؟

قراءة الإحاطة بعيدا عن البيئة الإقليمية ستبقى ناقصة، خصوصا بعد أن أصبح اليمن مرتبطا بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وخليج عدن والملاحة الدولية.

وكانت الهجمات الحوثية على السفن، قد أدى إلى إدخال الصراع اليمني في حسابات أمنية تتجاوز حدوده.

لكن غروندبرغ ذهب هذه المرة خطوة أبعد، ولم تقتصر رسالته إلى مجلس الأمن على طلب الدعم السياسي، وإنما تضمنت دعوة صريحة إلى استخدام النفوذ.

وقال للمجلس إنه لا يطلب “مجرد بيانات دعم”، وإنما يريد من كل عضو لديه تأثير على الأطراف أن يستخدم هذا التأثير لتوجيه اليمن بعيدا عن ساحة القتال وإعادته إلى طاولة المفاوضات.

وهذه ربما تكون أهم رسالة سياسية في الإحاطة؛ فالمبعوث الأممي يدرك أن قدرة الوساطة الأممية على التحرك تظل محدودة عندما تتعارض مع حسابات القوى صاحبة النفوذ.

كما أن قدرة مجلس الأمن على ترجمة مواقفه إلى نتائج عملية تتأثر بمواقف القوى الإقليمية والدولية الأكثر تأثيرا في أطراف الصراع، وفي مقدمتها الرياض وطهران وواشنطن.

بذلك تنتقل الأزمة من سؤال: ماذا يمكن أن يفعل المبعوث؟ إلى سؤال أكثر واقعية: ماذا ستفعل القوى القادرة على التأثير في أطراف الصراع؟

حرب جديدة بشروط مختلفة

التعامل مع احتمال العودة إلى الحرب باعتبارها نسخة مكررة من حرب 2015 سيكون قراءة ناقصة.

وذلك لأن المشهد اليمني تغير خلال أربع سنوات، وتغيرت معه خرائط النفوذ، خصوصا داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتطورت القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة.

كما أصبح البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي جزءً مركزيا من الحسابات العسكرية، بالتوازي مع اتساع البعد الإقليمي للصراع.

وأي عودة واسعة للقتال ستجري في بيئة استراتيجية مختلفة عن البيئة التي سبقت الحرب الأولى.

وهذا يضاعف مخاطر التصعيد؛ فالمواجهة الجديدة التي سوف تبدأ من جبهة داخل اليمن، لن تبقى بالضرورة محصورة داخل الجغرافيا اليمنية.

فارتباط اليمن بأمن الملاحة والطاقة والحدود السعودية يجعل أي توسع عسكري قابلا لاكتساب أبعاد إقليمية سريعة.

جرس إنذار سياسي

وخرجت إحاطة غروندبرغ من إطار التوصيف إلى طلب تعبئة سياسية دولية وإقليمية قبل فوات الأوان.

لذلك يقول المبعوث الأممي، عمليا، إن نافذة التفاوض ما زالت مفتوحة، لكنها ليست مضمونة.

ويقول في الوقت نفسه إن استمرار التصعيد قد يجعل كلفة العودة إلى الحرب أعلى من قدرة الوساطة على احتوائها.

ويتوقف نجاح هذا المسار على مستويين متداخلين: قرار الأطراف اليمنية بوقف الانزلاق العسكري، وقدرة القوى الإقليمية والدولية المؤثرة على ضبط حدود التصعيد ودفع الأطراف نحو التفاوض.

لذلك: هل تستطيع القوى التي تملك أدوات التأثير على أطراف الصراع أن تتفق على منعها، قبل أن يصبح التصعيد أكبر من قدرة الجميع على ضبطه؟

هذه هي القيمة السياسية الأبرز في إحاطة المبعوث الأممي، التي حملت إنذارا واضحا بشأن خطر الحرب.

كما كشفت الإحاطة في الوقت نفسه، أن نافذة التفاوض ما زالت قائمة.

وبين هاذين المسارين يقف اليمن أمام لحظة حقيقة جديدة، إما أن يتحول الهدوء الطويل إلى مدخل لتسوية سياسية، أو يتحول التصعيد القصير إلى بداية دورة جديدة من الحرب.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img