آخر الأخبار

spot_img

متلازمة مدام بوفاري

صحيفة الثوري – ثقافة وفنون 

عندما نُشرت رواية مدام بوفاري قبل مئة وسبعين عامًا، اندلعت فضيحة أدبية مدوّية. فقد التقط غوستاف فلوبير في روايته ذلك الملل الوجودي الذي ينهش امرأة وجدت نفسها أسيرة حياة لا تشبه أحلامها ولا ترتقي إلى توقعاتها.

قد يبدو هذا اليوم أمرًا عاديًا، لكن السلطات آنذاك اتهمت فلوبير وناشريه بالإساءة إلى الدين والأخلاق العامة، قبل أن تنتهي المحاكمة بتبرئتهم. أما إيما بوفاري، بطلة الرواية، فلم تخرج من الصفحات مجرد شخصية روائية، بل تحولت إلى رمز.

أصبحت إيما رمزًا للإحباط الذي فرضه المجتمع على النساء، وللهوامش الضيقة التي تركها لهن كي يبحثن عن ذواتهن. لكنها، قبل كل شيء، غدت تجسيدًا للشعور المزمن بعدم الرضا.

فقد سئمت زوجها، وضاقت بمدينتها الصغيرة، واختنقت من حياة رتيبة لم تجد فيها ما يشبع طموحها أو خيالها

ومن هنا صاغ الكاتب الفرنسي جول باربيه دوروفيي مصطلح البوفارية (Bovarism)، مشتقًا من اسمها، ليصف ذلك الميل الدائم إلى السخط على الواقع، والتعلق بحياة متخيلة تبدو أكثر جمالًا وإغراءً

ما زال الحديث مستمرًا عن «متلازمة مدام بوفاري» أو «البوفارية». وهي ليست تشخيصًا نفسيًا معتمدًا، بل مفهومًا شاع استخدامه في الأدبيات النفسية والثقافية

ويُقصد بها نمط من التفكير والسلوك يتسم بعدم رضا مزمن ينشأ من الهوة الواسعة بين الواقع وما يتوقعه الإنسان أو يتخيله. ويظهر هذا النمط بوضوح في العلاقات العاطفية؛ إذ يعجز صاحبه عن الاكتفاء بما لديه، ويظل يطارد صورة مثالية للحب، صورة قد لا يكون لها وجود خارج الخيال.

وربما يصح أن نتساءل: أليس عصرنا العصر الحقيقي للبوفارية؟ لعل إيما بوفاري كانت ستقع في غرام عالم إنستغرام، إذ إن انسجام إيما مع زمننا يكمن في أنها شخصية فردانية، واستهلاكية، ومفتونة بالعالم الافتراضي. ويضيف أنها كانت ستعشق هذا الفضاء الذي يتمحور كلّه حول «مساحتي»، و«حسابي»، و«ملفي الشخصي».

لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت إيما ستعجب بوسائل التواصل الاجتماعي، بل ما إذا كان عصرنا قد أعاد إنتاج الظروف النفسية نفسها التي كشفها فلوبير في روايته.

ففي القرن الحادي والعشرين لم تعد المشاعر مجرد خبرة إنسانية، بل تحولت إلى سلعة تُباع وتُسوَّق. الفنادق تبيع التجارب، والبنوك تبيع الإحساس بالأمان، والعلامات التجارية تبيع السعادة والانتماء، حتى بدا وكأن العواطف نفسها أصبحت جزءًا من السوق.

وفي الوقت نفسه، صار الإنسان يعيش داخل لعبة من المرايا. كما كانت إيما تحاول أن تبدو أكثر من مجرد زوجة طبيب ممل، يصنع كثيرون اليوم نسخًا مثالية من أنفسهم على انستغرام وغيره. فلا أحد يعيش الحياة المبهرة التي توحي بها صوره على إنستغرام، ولا يحقق النجاحات المتواصلة التي يعرضها ملفه على لينكدإن. لقد أصبح النجاح يُقاس بعدد الإعجابات، والمتابعين، والانتشار، والقدرة على صناعة لحظة عابرة من الشهرة.

ويزداد هذا الشعور حدّة لأن العالم نفسه أصبح أكثر تعقيدًا واضطرابًا. فالأزمات الاقتصادية، والتوترات الجيوسياسية، وتصاعد حالة عدم اليقين، كلّها تغذي شعورًا عامًا بالإرهاق وخيبة الأمل. نعيش في زمن يطالبنا باستمرار أن نكون سعداء، وأن نصنع ذكريات استثنائية، وأن نحقق النجاح بلا توقف، بينما يبدو الواقع، في المقابل، أكثر إنهاكًا وأقل قدرة على تلبية تلك الوعود.


— من صفحة روائع الأدب العالمي على منصة إكس:

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img