آخر الأخبار

spot_img

لو كان جلجامش بطلاً في هوليوود … أوديساتنا التي لم تحكِها السينما

صحيفة الثوري – ثقافة وفنون
محمد يسري - مجلة المجلة
من فترة لأخرى، تعود الأسئلة المُلحة حول قدرة الخيال الإنساني على مقاربة الاستفسارات الفلسفية الوجودية العميقة، وحدود العلاقة الجدلية الإشكالية الفاصلة بين الفن والواقع، لتطل برأسها من جديد بالتزامن مع عرض أي عمل فني لملحمة قديمة. الأمر الذي حدث مؤخراً مع عرض الفيلم السينمائي “الأوديسة” للمخرج الأميركي البريطاني كريستوفر نولان.

أعاد الفيلم قصة البطل الإغريقي أوديسيوس، -الذي تُنسب إليه الملحمة- إلى الواجهة ليتجدد الاهتمام بقصة ملك إيثاكا الأسطوري، الذي شارك في الاستيلاء على طروادة، قبل أن يتوه لسنوات طويلة خلال رحلة العودة لوطنه. بين البحار والوحوش والآلهة، تقلبت مصائر أوديسيوس ورجاله بحسب السيرة التقليدية التي صاغها الشاعر اليوناني هوميروس، ومن سار على دربه من الشعراء اللاحقين.

في الحقيقة، يذخر تراث الشرق الأدنى والعالم الإسلامي بالعديد من الملاحم لا تقل ثراءً عن “الأوديسة”؛ فمن البطل السومري جلجامش الباحث عن الخلود، إلى ذي القرنين الذي حكي القرآن الكريم بلوغه مغارب الأرض ومشارقها. ومن السندباد البحري الذي جاب المحيطات، إلى أبي زيد الهلالي الذي قطع الصحارى، ومن رُستم في الملحمة الفارسية الأشهر “الشاهنامة” إلى حمزة البهلوان والظاهر بيبرس المشهورين في الفلكلور الشعبي المصري، تتكرر بنية سردية متشابهة في الكثير من التفاصيل: البطل المغامر الذي يغادر عالمه الاعتيادي، ليواجه سلسلة من الاختبارات الصعبة، ثم يعود ليغير العالم من حوله.

غير أن هذه الرحلات، على كثرتها، لم تحظَ بالانتشار العالمي الذي كُتب للأوديسة الهومرية على مرّ القرون، وذلك رغم تقديمها تصورات مختلفة في نظرتها للسلطة، والإنسان، وعلاقة الجنس البشري بالمجهول.

نعمل في هذا المقال على رصد أهم مواطن التشابه بين الأوديسة من جهة، والسيَر الشعبية والفلكلورية التي عرفتها منطقة الشرق الأدنى القديم من جهة أخرى. لنرى كيف تشابهت تلك السيَر مع “الأوديسة”، وأين افترقت عنها؟

الرحلة بوصفها اختباراً لمعنى الوجود

تدور أحداث الأوديسة عقب نجاح اليونانيين في اقتحام طروادة والاستيلاء عليها. ليشرع أوديسيوس بعدها في السفر راجعاً إلى وطنه. رغم تلك الحبكة البسيطة التي تغلب على قراءتها المبسطة النزعة الجغرافية الواضحة، فإن الأوديسة لم تكن مجرد قصة رحلة بحرية عجائبية، بقدر ما كانت قصة إنسان يتغير شيئاً فشيئاً عبر مراحل الرحلة المرهقة. إذ أثرت كل محطة مر بها ملك إيثاكا في تغيير شخصيته بطريقة أو بأخرى، حتى عاد إلى وطنه إنساناً جديداً غريباً، لدرجة أن أغلبية أصدقائه القدامى لم يتعرفوا عليه.

في الحقيقة، لم تكن تلك السمة غريبةً عن تراث الشرق الأدنى القديم، بل ربما ظهرت ملامح تلك الفكرة في مصر والعراق قبل ظهورها في الأوديسة نفسها؛ على سبيل المثال، تقدم ملحمة جلجامش السومرية، أقدم ملحمة معروفة في التاريخ، نموذجاً واضحاً على أثر الرحلة في تطوير وتشكيل شخصية البطل.

بينما ركزت “الأوديسة” على رحلة الفرد، حملت ملاحم الشرق ذاكرة جماعية لشعوب تبحث عن هويتها ومصيرها

غادر جلجامش مدينة أوروك على إثر صدمة نفسية قوية سببتها حادثة موت صديقه المقرب أنكيدو. وسرعان، ما لحق به التغيير والتبدل، بعدما بدأ في البحث عن سر الخلود وقابل الإنسان الخالد أوتنابشتيم، وعرف منه سرّ الانتصار على الموت. رغم ذلك، أخفق جلجامش في مسعاه وعاد إلى مدينته في نهاية المطاف بعدما أيقن أن الخلود ليس نصيب البشر.

بهذا المعنى، تبدو الرحلة السومرية أكثر عمقاً من رحلة أوديسيوس؛ فهي لا تنتهي باستعادة مملكة، بل باكتشاف حدود الإنسان نفسه. الفكرة نفسها تتكرر بصورة مختلفة في قصة ذي القرنين الواردة في سورة الكهف في القرآن الكريم. رغم قلة المعلومات الواردة عن ذي القرنين، يذكر القرآن أنه قد سار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم مطلعها، ثم وصل إلى منطقة بعيدة يعاني أهلها من تهديد بعض القبائل الهمجية المعروفة باسم يأجوج ومأجوج. يسارع ذو القرنين عندها ببناء السد ليدفع الشر عن البسطاء والمستضعفين.

وهكذا لا تظهر الرحلة هنا بصفتها بحثاً عن مجد شخصي، وإنما يتم تأطيرها في سياق تحقيق العدل وإقامة النظام؛ ما ينسجم بشكل كامل مع القيم السامية التي طالما شجعت الرسالة الإسلامية على إرسائها.

الروايات الإسلامية أيضاً تحدثت عن سلام الترجمان، مبعوث الخليفة العباسي الواثق بالله، إلى بعض الأماكن المجهولة في أقصى الشرق. وهي الرحلة التي تفوح من تفاصيلها رائحة الفضول الإنساني المشبع بالخيال والرغبة غير المحدودة في استكشاف المجهول.

في شاهنامة الفردوسي أيضاً، يخوض البطل رُستَم سلسلةً من التحديات والمعارك المتتابعة، والتي واجه فيها مخاطر عدة، كالأسود والتنانين والسحرة والشياطين؛ الأمر الذي يمكن تفهمه في سياق تهيئة وإعداد للبطل لاستلام مهامه القيادية في المستقبل. بما يعني أن الرحلة بما فيها من مخاطر قد شكلت الأهلية الأخلاقية للملك والحكم، ما يتوافق مع القيم السياسية التي تثبتها المنظومة الساسانية الكسروية (الملكية الفارسية قبل الإسلام)، ومن بعدها دولة الخلافة الإسلامية.

وهكذا، فإن الرحلة في هذه الملاحم لم تكن مجرد وسيلة للانتقال بين الأماكن والبقاع الجغرافية، بقدر ما كانت مرحلة مهمة لتهيئة البطل، نفسياً وفكرياً، لمستقبله، بل ولمستقبل الأمم والشعوب التي ينتمي إليها.

الوحوش والعجائب… كيف رسم الشرق خرائطه المتخيلة؟

إذا كانت الرحلة هي حجر الزاوية في تشكيل عالم الملاحم القديمة، فإن العجائب والخرافات هي السمة الرئيسة التي لا يمكن تجاهلها أو التغافل عنها في بناء أي ملحمة. من هنا، لا يمكن أن نتخيل عالم الأوديسة من دون عملاق السيكلوب المخيف الذي يمتلك عيناً واحدة كبيرة في منتصف جبينه، ولا من دون السيرينات اللواتي يجذبن إليهن البحارة ويقمن بإغوائهم بواسطة أجسادهن العجيبة، أو حتى الحورية كاليبسو التي حبست أوديسيوس في جزيرة أوجيجيا لسبعة أعوام كاملة.

من اللافت للنظر أن المُخيلة العربية والإسلامية والفارسية لم تكن أقل ثراءً في ما يخص ما ارتبط بعوالمها الملحمية من عجائب وخرافات، إذ أنتجت هي الأخرى عوالمها السحرية، والتي احتشدت فيها الوحوش والكائنات الغريبة التي لا تخضع لقوانين الطبيعة التي اعتاد الناس على التعامل معها.

تُعدّ عوالم “ألف ليلة وليلة” أهم نموذج لتلك العوالم السحرية. في قصة السندباد البحري يُعاد اكتشاف العالم من وجهة نظر سحرية غامضة. يصل السندباد إلى جزيرة نائية ويكتشف بعدها أنها ظَهر حوت ضخم. ويلاقي طائر الرُّخ الهائل الحجم، ويهرب من مخالبه الكبيرة. كما يواجه العمالقة وآكلي لحوم البشر ويخوض العديد من المغامرات الشيقة أثناء مواجهتهم.

في قصة حسن البصري، في “ألف ليلة وليلة” أيضاً، ينتقل البطل بين عالمين متوازيين لكل منهما طبيعته الخاصة: عالم الإنس وعالم الجن. وفي قصة قمر الزمان وبدر البدور تتداخل الرومانسية بالسحر، ويشتبك الواقع بالخيال.

من الممكن أن نفسر انتشار تلك الخرافات بطرق متعددة. فمن جهة، ذاعت الأخبار العجائبية بين الناس لما فيها من جاذبية وحضور لدى الأغلبية الغالبة من المتابعين والقراء والمستمعين. لكن، وفي الوقت نفسه، عكست تلك الأخبار الطريقة التي فهمت بها الحضاراتُ القديمة العالمَ المحيط بها. ففي الأزمنة والعصور القديمة، والتي سبقت عصور الاكتشافات الجغرافية بقرون طويلة، وقفت المعارف الإنسانية عند حدود التعامل الفردي المباشر، أو ما تناقلته الأسماع من حكايات مشوشة ومبتورة عن الأصقاع البعيدة التي لا يمكن الوصول إليها.

في ظل تلك الظروف، تحولت المناطق البعيدة إلى مساحات يملؤها الخيال الحالم، الذي تختلط فيها مشاعر الفضول والرومانسية والخوف، ولذلك لم تكن الوحوش في هذه الملاحم مجرد كائنات مرعبة، بل كانت، في حقيقتها، تجسيداً حقيقياً لرهبة جمعية من المجهول، وللحدود الحرجة التي يقف عندها العلم اليقيني ليبدأ الخيال الرحب.

من هنا، فإن المقارنة المدققة بين “الأوديسة” وملاحم الشرق الأدنى القديم والوسيط، تكشف أن الطرفين قد اشتركا في استخدام العجائبي كأداة لفهم العالم الواسع المجهول. لكنهما، في الوقت ذاته، اختلفا في المصادر التي تأسست عليها تلك العجائب. فبينما استندت “الأوديسة” إلى الميثولوجيا اليونانية، استمدت ملاحم الشرق أخبارها من تلاقح الأساطير الهندية والفارسية والعراقية والعربية عموماً، والتي أُعيدت صياغتها مرة أخرى بواسطة الحضارة الإسلامية.

من بطولة الفرد إلى ذاكرة الجماعة

رغم التشابه الكبير الواقع بين “الأوديسة” من جهة والملاحم التي عرفها الشرق الأدنى القديم والوسيط من جهة أخرى، فإن هناك عدداً من الاختلافات المهمة التي لا يمكن تهميشها أو التغافل عنها، وذلك لما تعبّر عنه من سمات جوهرية تبين حجم الهوة الفاصلة بين الحضارة اليونانية الغربية وحضارات الشرق.

ما نلاحظه في “الأوديسة” أنها لم تتجاوز الطابع الفردي. فهي تدور، بشكل كلي، حول البطل أوديسيوس، إذ تتبع الملحمة سيرته منذ انصرافه من طروادة وحتى استعادته لعرشه وأسرته في إيثاكا. بما يعني أن الملحمة لم تتعدَّ أن تكون تتبعاً لسيرة فرد يخوض معركته الخاصة مع القدر.

تتقاطع “الأوديسة” مع ملاحم الشرق في فكرة الرحلة، لكنها تختلف في السؤال الذي تسعى كل حضارة للإجابة عنه

على النقيض من ذلك، تتجاوز ملاحم الشرق الطابع الفردي، لتصبح، في حقيقتها، تجسيداً لذاكرة جماعية أو لهوية شعب أو أمة؛ ما يظهر الطابع الجمعي في العديد من الملاحم الشرقية.

في سيرة بني هلال، تدور الأحداث حول الرحلة الطويلة والشاقة التي قامت بها قبيلة بني هلال من الجزيرة العربية إلى مصر قبل انتقالهم إلى منطقة شمال إفريقيا. على الرغم من اختيار الرواة لشخصية أبي زيد ليصبح الشخصية الرئيسة في الملحمة، فإن هناك شخصيات أخرى تلعب أدواراً مهمة، كما تحظى بنصيب وافر في تحديد مسار الأحداث، وفي التعبير عن الحس القبلي الجمعي؛ فدياب يمثل الزغابة، والزناتي خليفة يجسد هوية شمال إفريقيا. من هنا، لم يكن من الغريب أن تنتشر السيرة الهلالية في مصر وتونس وليبيا والجزائر والسودان وشبه الجزيرة العربية، وأن تتباين رواياتها وسردياتها بحسب المكان الذي تُروى فيه.

يظهر الطابع نفسه في سيرة الظاهر بيبرس، والتي يختلط فيها التاريخ بالخيال الشعبي في مزيج فريد يتسم بالانسجام والتوافقية. وذلك عندما نجد أن شخصية السلطان المملوكي الظاهر بيبرس قد تحولت إلى بطل أسطوري خارق، يجوب البلدان والأقاليم، ويهزم الأعداء والطغاة الظالمين، لينتصر للعامة والبسطاء والمهمشين، حتى أصبحت سيرته أداة لإنتاج صورة الحاكم المثالي الذي لطالما حلمت به الجماعات الشعبية.

من هنا، يمكن القول إن ملاحم الشرق لم تُكتب فقط لتروي مغامرات بطل أو فرد، بل لتجيب عن أسئلة المجتمع القلقة: كيف تنشأ الدول والممالك؟ وما صفات الحاكم المثالي؟ وكيف تنتصر المجتمعات في رحلة الصدام مع السلطة؟ ما يفسر ذيوع تلك السيَر وشيوع روايتها في المقاهي والأسواق، وانتقالها بشكل شفاهي من جيل إلى آخر عبر العصور.

امتلك الشرقُ “أوديساته” الخاصة منذ فترة موغلة في القدم، حضارات المنطقة قد عرفت الملاحم الكبرى التي ظهرت فيها الرحلات العجيبة والوحوش الخرافية والمدن الأسطورية، فضلاً عن الأبطال المُلهمين الذين عبّروا عن آلام وأحلام شعوبهم ومجتمعاتهم بشكل صادق. وبينما ظلت تلك الملاحم حبيسةَ لغاتها المحلية وسياقاتها الثقافية، فإن “الأوديسة” وجدت طريقها إلى العالمية من خلال تشرب الحضارة الغربية الحديثة للتراث اليوناني القديم؛ الأمر الذي سمح بإعادة إنتاج قصة ملك إيثاكا الأسطوري في العديد من الأعمال الفنية عموماً، والسينمائية منها على وجه الخصوص.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img