آخر الأخبار

spot_img

الرواية اليمنية وعنف الواقع وتحولاته 3

صحيفة الثوري – ثقافة وفنون 

د.عبدالحكيم باقيس

……………………..

             (3)

“ربيع عربي وروائي:” 

بعد ثورة التغيير التي شهدتها اليمن في الحادي عشر من فبراير 2011، بوصفها امتدادًا لثورات الربيع العربي، تحول هذا الربيع الثوري إلى ربيع روائي يمني، مُثل سرديًا في كتابات روائية تفاوتت في مقاربتها لثورة التغيير اليمنية، كتب عبدالله عباس الإرياني (جولة كنتاكي) 2014، وتحيل إلى الوقائع والمكان الذي جرت فيه مواجهات دامية بين شباب التغيير والسلطات، وجاءت رواية (بئر زينب) 2015 لندى شعلان مستندة إلى منظور نسوي اتخذ من جرحى الثورة المنسيين خطًا سرديًا في تناول أحداث ثورة التغيير، ولم يكن تعاطي الروائيين محايدًا في الموقف من ثورة التغيير اليمنية، ويبدو أنه لا حياد في مثل هذه الموضوعات الكبرى.

وستكتب نادية الكوكباني (سوق علي محسن) 2016، وترصد يوميات الثورة الشبابية وتفاصيلها من خلال عيني طفلين من المهمشين، تدفعهما ظروفهما البائسة إلى ترك التعليم والعمل في أحد الأسواق الشعبية القريبة من الساحة التي يتجمع فيها المحتجون، لا تتجاوز أحلام الطفلين الحصول على مبلغ بسيط خلال يوم عمل شاق، أو امتلاك عربة بائع متجول صغيرة، يجدا نفسيهما ضمن مرتادي ساحة التغيير، وتتداخل أحلامهم بأحلام الشباب الثائر في ساحة التغيير، وفي اللحظة التي ينمو إدراكهما ببشاعة الواقع الذي يعيشانه، يصبحان من ضحايا العنف الدموي الذي تتعرض له الساحة أسوة بأبرياء آخرين، قتل الطفلين في أثناء هجوم قوات الأمن على المحتجين معادل رمزي لقتل الثورة ووأدها. وترصد سوق علي محسن سوسيولوجيا الثورة وتحولاتها بعد انضمام الأحزاب والكيانات السياسية والقبلية والعسكرية الانتهازية التي تسببت في تحويل ثورة الشباب عن مسارها السلمي ومطالبها الأساسية، ومع تطور الأحداث على المستوى الصراع السياسي بين قوتين وساحتين في صنعاء: مؤيدة ومعارضة، تبدو الطبقات الهامشية التي تسكن الأحياء الشعبية التي تطل على أحياء المدينة وساحاتها المتصارعة ترقب الأحداث من بعيد، وهي منشغلة بتأمين معيشتها ومتطلبات قوتها بدفع أطفالها للعمل في الساحتين. وتلامس الرواية في أثناء ذلك العديد من الأوجاع الاجتماعية والسياسية التي كانت أحد أسباب الثورة الشبابية، منها: حروب صعدة والحركة الحوثية، عمالة الأطفال، التحرش الجنسي، الفقر والفساد، انتهاك الحقوق والحريات، عقم الحياة السياسية، وغيرها مما جعل الرواية تغرق في سرد تفاصيل الأحداث والشخصيات، وتتحول إلى سجل توثيقي ليوميات الثورة، وكأنها تحاول أن تثبت ما يمكن تثبته روائيًا من ذاكرة جماعية في لحظة حلم طباوي خشية أن يتعرض للنسيان أو التلفيق والتشويه.

وتميل رواية (ثورة مهيوب) 2017 للمياء الإرياني في تناولها لثورة التغيير إلى التركيز في السرد، وبطلها “مهيوب” من أشد الفئات الهامشية، يعيش على رصيف عمارة الحاج صالح، وينام بداخل كيس، ويرقب من خلال الشارع التغيير والتحولات التي تمر بها المدينة وطبقاتها، سيارات فارهة تعبر الشارع باستعلاء وجنون، فقراء ومتسولون، عربات عسكرية، مسلحون يتبعون أحد الشخصيات العسكرية يستولون على الممتلكات، أبرياء وضحايا يعبرون، وآخرون مجرمون وجلادون، ويتشكل وعي مهيوب بالأشياء من حوله خلال الكلمات التي كان يكتبها على الجدار بعد أن كان يسمعها من “هزاع” الشاب المثقف الثائر الذي يسكن في العمارة، وحين يبدأ شباب الثورة اعتصاماتهم يجدهم يرددون الكلمات التي كان يسمعها من هزاع، ولأنه يثق به يذهب معه إلى ساحة التغيير، لكنه يشعر بالصدمة والخيبة عندما يرى ذلك العقيد الذي تخصص في نهب الأراضي والممتلكات قد التحق بالثورة، وعندئذ يقرر مهيوب العودة إلى رصيفه، وإلى كيسه الذي ينام فيه، والذي يشكل ترميزًا لكيس كبير من الظلمة والعزلة دخلته اليمن، عقب فشل ثورة التغيير في تحقيق أهدافها، وهنا نرى أن الروايتين تقدمان صورة واحدة للأوضاع التي تسببت في تعثر حلم التغيير في اليمن، والذي سيتحول إلى حرب تدميرية كبرى لم يشهد اليمن مثيلها في تاريخه الحديث، قد تجد في السنوات القادمة من يسجل آثارها وعبثيتها في صورة المتخيل الروائي.

إن جنون الواقع ومأساويته الكبيرة تصل إلى حدًّ من الغرابة تفوق غرابة الخيال المولد للدهشة، ولعلَّ في هذا بعض مأزق الكتابة الروائية التي ستبدو محاكاة لا تخييل!، يصبح هاجس النص وكأنه تدوين هذه الغرابة لا تخيلها، ولذلك سيلجأ السرد إلى حيله في إضفاء الدهشة باستخدام تقنيات كالسخرية والمفارقة كالتي لجأت إليها (بلاد القائد) 2019 لعلي المقري، وهي رواية سياسية بامتياز، يطل بوساطتها القارئ على مروي حياة الزعيم الطاغية وعالمه الحافل بالنرجسية والوحشية والجنون، في صورة مماهية لشخصية الزعيم العربي الديكتاتوري الذي نشهد استبداده وكوارثه في الواقع، كاشفة تفاصيله محيطه الخاص من حاشية وأبناء، ومنافقون وضحايا، وكل ما يكتنزه مروي قصة الطاغية من استبداد ووحشية واستخفاف بالشعب، وكأنما يتعرف القارئ على تفاصيلها للمرة الأولى في عالم التخييل، وهنا مكمن عبقرية الكتابة ووظيفة اللغة السردية في إعادة بناء التفاصيل والأحداث في حبكة سردية مشوقة، تجعلنا ندلف إلى ما نعلم تفاصيله في الواقع بعين أخرى لا تمل من لذة الدهشة والمتعة والاكتشاف.

وبلاد القائد.. أو “عِرَاسوبيا” ـ كما يأتي اسمها في السرد ـ وهي استعارة كنائية لدولة عربية قبل أن تطمس هويتها وتتحول بمن فيها من حجر وبشر إلى حمل اسم بلاد القائد!.. وعِرَاسوبيا اسم منحوت من حروف أسماء ثلاث دول: العراق، سوريا، وليبيا، أنموذجًا للبلدان العربية الرازحة تحت حكم الزعماء الديكتاتوريين إلى درجة تدمير الهويات الوطنية والثقافية.

تتناول “بلاد القائد” ورطة كاتب روائي مشهور، دفعته ظروفه المادية الصعبة ومرض زوجته إلى أن يجد نفسه في بلاد القائد، ضمن لجنة أُوكل إليها أن تكتب سيرة القائد، التي يجب أن تمجد مآثره وبطولاته إلى أقصى درجات التبجيل والتأليه الذي يلبي جنونه، غير أن الشعب يثور على الزعيم الطاغية، قبل أن تنجز اللجنة مهمتها، فيسقط الزعيم القائد سقوطًا تراجيديًا، وينفرط عقد النظام والحاشية، وعِقد لجنة كتابة سيرته، وكل شيء يغدو إلى انفراط طاغٍ ومجنون، بما في ذلك الثائرون على الزعيم القائد “وكأن الكل صار ضد الكل، يصرخون بلا معنى، إذ بدت الثورة وكأنها تعني التقارب مع الموت أكثر مما تعني الاقتراب من الحياة” وهذه إشارة ساخرة من المصير المأساوي الذي تعاني منه الثورات والشعوب.

حروب وإرهاب:

يقدم وليد دماج في رواية (أبو صهيب العزي) 2019، تخييلًا روائيًا لظاهرة الإرهاب والتطرف الديني التي باتت تجتاح العالم بفعل انتشار التنظيمات والجماعات المسلحة، ويقدم في أثناء ذلك رؤية تحليلية عميقة لا تفصل بين ماهو سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي، وأثر مجموعة من العوامل والمؤثرات المحلية والدولية في تنامي الظاهرة الإرهابية، وهذا لا يعني أن الرواية تؤدي وظيفة البحث الاجتماعي، أو تتجه إلى التناول المباشر في تمثيلها السردي للإرهاب، وإنما تفعل ذلك في حبكة سردية مدهشة مستخدمة مجموعة من التقنيات والأساليب السردية، وتستنطق بجرأة بالغة العديد من الزوايا والظروف المسكوت عنها، ينهض الخطاب الروائي بفعل المكاشفة والمساءلة، ولا يعتمد على الأسلوب التنميطي أو نموذج القالب الجاهز في رسم صورة الإرهابي أو المتطرف الديني الذي وقعت فيه بعض الأعمال الروائية العربية والمحلية في تناولها السردي للإرهاب.

تبدأ الرواية من وضع أولي يظهر فيه الموظف صادق العزي بين أسرته في حالة من الفرح والنشوة لحصوله على فرصة السفر خارج البلاد لحضور دورة تدريبية مهنية، هو شخصية بسيطة وانطوائية تكره السياسة ولا تهتم بغير شؤونها الحياتية، لكنه يعتقل في أثناء سفره بمجرد الاشتباه ظنًا أنه “أبو صهيب العزي” الشخصية الإرهابية الخطيرة التي تبحث عنها السلطات، يتعرض صادق للتعذيب والتلفيق والمعاملة الوحشية من قبل السلطات، وتمضي الرواية في خطوط سردية متعددة، وفي سلسلة من الأحداث التي يُكشف فيها ما يجري من الدسائس في عالم المخابرات والسجون، والتي يختلط فيها السجانون بالإرهابيين، الجلادون بالضحايا، ويُكشف أيضًا عن الأساليب والعوالم الداخلية للجماعات الإرهابية وطرائقها في استقطاب الأعضاء وتجنيدهم لصالحها من داخل السجون، تفشي الرواية أسرار عالمين متناقضين لكنهما متشابهين في أساليبهما في الاستقطاب والتجنيد، يمر “صادق” ـ الذي لا يمكن تجاوز دلالة تخير اسمه ـ بمجموعة من الأوضاع في داخل السجن وخارجه، وفي الوضع الأخير يتحول “صادق العزي” إلى “أبو صهيب العزي”، بعد تملأ نفسه الرغبة في الانتقام ممن تسببوا في تدمير حياته!.

وكما لا يمكن فصل موضوع الإرهاب في اليمن عن العديد من التشعبات في المشهد المحلي في السنوات الأخيرة، وذلك ما يتفطن له الكاتب الذي يدير لعبته السردية بين العديد من الخطوط المتداخلة التي يحفل بها الواقع ولا تقل وحشية عن الأعمال الإرهابية، مثل الحرب واجتياح المليشيات الحوثية لصنعاء، بروز الوعي السلالي العراقي الزائف والنزعات الطائفية، تغذية التناقضات الفكرية والمذهبية في العقدين الأخيرين، اعتقال الصحفيين واتخاذهم دروعًا بشرية في المواقع العسكرية، قمع المظاهرات النسائية والحركة المدنية المناهضة للحرب والاعتقالات، الاختفاء القسري، تهريب المخطوطات وتدمير الآثار اليمنية، وغير ذلك مما يمور به الواقع في ظل لحرب والإرهاب، والذي يبدو فيه أقرب إلى فلم مرعب ينتجه أكثر المخرجين عبقرية سوريالية، وقد استعانت الرواية نفسها بهذه التقنيات السينمائية في بنية سردية تعتمد على تنوع اللوحات والمشاهد والفصول واختيار تسمياتها: “اللقطات” التي تتناول سرد الاعتقال ومشاهد التعذيب، “المشهد الجانبي”: سرد الأسرة ومعاناتها، “الفلاش باك” ماضي صادق قبل الاعتقال، “التقارير” سرد الجهات الأمنية ومروياتها الكاذبة، “الزووم” سرد الوقائع السرية الحقيقية غير المعلنة عن صادق، وهي تقنيات تستقطب القارئ في جمع تشظيات الحكاية وإعادة بناء المروي، في دلالة على تراجيديا الواقع وسورياليته العميقة، ما يجعل هذه الرواية من أكثر الروايات تجريبية في تناولها لموضوع الإرهاب، ذلك أن التجريب يتصل باستخدام تقنيات جديدة غير مسبوقة في إنتاج الدلالة السردية، كما يعني أيضًا تناول الموضوعات بأساليب وزوايا جديدة.

أما الحرب بما تنطوي عليه من مشهديات وتخييل، فقد أصبحت موضوعًا روائيًا طاغيًا في العقد الأخير.

………………………….

*نشرت الدراسة كاملة في مجلة الناصية. العدد التاسع. يونيو /حزيران 2026

(النسخة الأصلية لمقال منشور بالفرنسية في مجلة العلوم الإنسانية في باريس:

العدد 13/ 2020، ترجمة فرانك ميرمييه بعنوان:

dans la tourmente Le roman yéménite) 

رابط تحميل العدد:

https://www.al-nasiya.com/category/pdf-file

………………..

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img