آخر الأخبار

spot_img

“الرواية اليمنية وعنف الواقع وتحولاته(2)”

صحيفة الثوري- ثقافة

د.عبدالحكيم باقيس
“أستاذ الأدب والنقد، جامعة عدن.
……………….
(2)
طفرة روائية:
جيل التسعينيات وما بعدها من الكتاب اليمنيين يمثل جيل الطفرة في الكتابة، وجد نفسه في مساحة أكثر حرية في التناول والتعبير والتخييل، بدأ ممارسة الكتابة الروائية بوعي بمتغيرات الواقع، وتفطن إلى مناطق الخصوصية الاجتماعية ومحنة المجتمع، لعله الجيل الأكثر ملامسة لأوجاع الحاضر ومتغيراته، ولطبيعة النص الروائي واشتراطاته ووظيفته في إعادة إنتاج ماهو واقعي ويومي، ولم يعد ترف التخييل هاجسه، وإنما وصله النص الروائي بالظروف القاسية التي أنتجته، ولم تكن أولياته في الكتابة البحث عن إجابات لأسئلة الواقع، وإنما إثارة التساؤلات وارتياد أفق جديد بفضل الخبرة والثقافية التي تقف خلف إنتاج النصوص الروائية الجديدة، بفعل تأثره بتجارب روائية عربية وعالمية، وذلك ما نلمسه في كتاباتهم، وهو جيل انفراط العقد، إذا ما استعرنا مقولة “الموسوي”، لأنه يبشر بتحول كبير في تاريخ الرواية اليمنية، ويحفل بأسماء كثيرة، تتنوع تجاربها وأساليبها في الكتابة الروائية، ومنذ بداية القرن الجديد وفاتحة عشريته الأولى زادت معدلات النشر الروائي، عندما أخذ الجيل التسعيني يكرس وجوده في المشهد الروائي المحلي، بفعل مجموعة من العوامل التاريخية والسياسية التي مهدت الطريق لهذا الجيل، لعلّ أهمها أجواء الحرية السياسية عقب قيام الجمهورية اليمنية، ومن بينها قيام الأحزاب وحرية التعبير النسبية، وظهور مؤسسات أهلية ومدنية تعنى بالشأن الثقافي، وتأثير وسائل التواصل الحديثة التي ساعدت في كسر العزلة التي كان يعاني من الأدب في اليمن، وظهور كتُّاب يمثلون تيار الرواية الجديدة، من أمثال وجدي الأهدل، أحمد زين، حبيب سروري، علي المقري، نادية الكوكباني، نبيلة الزبير وغيرهم، وقد عبرت هذا الأسماء نحو الألفية الجديدة برصيد خصب من المنجز الروائي، ورسخت بذلك وجودها في مشهد الرواية الجديدة، وأضيفت إليهم أسماء روائية جديدة توالت مساهمتها الروائية بالعديد من الأعمال، وولجت إلى عالم الكتابة في العشر السنوات الأخيرة من بوابة القصة القصيرة حينًا، ومن بوابة الشعر والصحافة في أحيان كثيرة، وهنا تجد الإشارة إلى أن نسبة المنشور روائيًا في العشر السنوات الأخيرة يزيد عن مئة وعشرين رواية على الأقل مثل: الغربي عمران، مروان الغفوري، وليد دماج، سمير عبدالفتاح، همدان دماج، سامي الشاطبي، ندى شعلان، سيرين حسن، عمار باطويل ما يشير إلى غنى المشهد الروائي في العشرية الأخيرة وتنوعه:
وجد هؤلاء الكُتّاب أنفسهم أمام واقع أشد تأزمًا وعنفًا، ووطنًا ممزقًا بالصراعات العبثية وانهيار شامل في منظومات الحياة، سنوات من المحنة والصراعات والحروب والإرهاب والدمار، وتفشي الفقر والمجاعات والنزوح والهجرات القسرية، لم يكن الكتاب أنفسهم بمنأى عنها، ولم تكن الكتابة مجرد ترف في الرغبة في التخييل الموازي عن أزمات الواقع، فقد انتزعها جنون الواقع وسورياليته من فضاء التخييل إلى واقع التمثيل والبوح المباشر، كما أن القارئ لم يكن مفارقًا لألم الحكاية, بعد أن أصبح يطل على أوجاعه من خارج النص إلى داخله، حالة من التماهي والتطابق بين ماهو واقعي وما هو خيالي، محنة المجتمع والكاتب والنص والقارئ بوصفهم جميعًا جزءًا من حكايات عنف الواقع وتحولاته.

كان فشل التجربة الديمقراطية والأحزاب في إحداث تغيير مهم في حياة الناس، وزيف الحياة السياسية وخداعها الذي وصل ذروته في العشرية الأولى من القرن الجديدة موضوع رواية (قهوة أمريكية) 2007، لأحمد زين، تناولت بدايات آثار فشل الإصلاحات السياسات الاقتصادية، والتي أدت لاحقًا إلى انهيار منظومة الحكم في اليمن، و بشعرية بالغة في تناولت تفاصيل الواقع السياسي اليمني وحالات التزييف والفساد التي أخذت في الانتشار، يصوغها الكاتب على لسان السارد الأصلي الشاب (عارف) الذي يصوب عينيه ووعيه إلى الواقع الزائف، فيروي بضمير المتكلم تارة، وبضمير المخاطب تارة أخرى حين يتوجه بالحديث إلى ذاته في سيل من تداعيات الذاكرة، يُستبطن فيها وعيه الداخلي، في دلالة على تشظي هذه الذات الساردة، ويتشارك السرد معها راوٍ خارجي أكثر حرية في السرد، وفي السخرية من المشاهد والأحداث التي يرويها، وترصد آثار التجربة السياسية اليمنية المعاصرة الحافلة في سطحها الخارجي بنشاط الأحزاب والحريات العامة ومظاهرات الاحتجاج، والانتخابات وغيرها من مظاهر الحياة الديمقراطية، وفي الوقت نفسه حيث المسكوت عنه الكامن تحت هذا السطح الزائف؛ كالاغتيالات السياسية والإرهاب والاختطافات، وانتشار الفساد والفقر، وكل ما يحفل به الشارع من مفارقات ومتناقضات، لا يمكن النظر إليها ـ كما يرى عارف ساخرًا ـ إلا من خارجها وبعيني سائح أجنبي.

تجسد الرواية الشعور بالعجز الذي يعيشه جيل كامل يمثله “عارف” وهو فشل نتيجة أوضاع عبثية وجد نفسها فيها، الاستبعاد السياسي من المشاركة في الحياة العامة، الفشل في أن يكون له “تاريخ شخصي” يمنحه صفة مناضل أو ناشط سياسي حقيقي، وقد تخيَّر الكاتب ببلاغة أكيدة تكرار الحديث عن علبة القهوة الأمريكية في النص مقترنًا بلحظات اليأس التي يمر بها عارف، وبفشله المستمر في إعداد أكوابها، “فكر أن القهوة ستغير طعم الحياة في فمه، وستجعلها بألوان بهيجة في عينيه … فشل تمامًا في صنع قهوة أمريكية بمذاق رائع كما يشاهد في الإعلانات” ويتكرر فعل الفشل هذا حتى آخر الرواية، “تذكر علبة القهوة الأمريكية، تذكر فشله في أن يصنع كوبًا منها، وسقطت نظراته إلى أسفل حيث الشارع يكتظ بالسيارات وبالمارة والمجانين، يحاولون العبور بمشقة، كأنما يرفض أن يعترف بفشله في تغيير حياته، وبأن القهوة الأمريكية خذلته أيضًا”، وواضح أن السارد لا يتكلم عن إعداد القهوة، والتي جرى تشفيرها في النص لتعني فشل التجربة الديمقراطية في إحداث تغيير جوهري في واقع الناس، فالحديث عن القهوة الأمريكية والفشل في إعدادها يتكرر بعد كل مرة يكتشف السارد فيها أن كل ما حوله يلفه الزيف والخداع، وكأن الجميع من حوله قد اشتركوا في لعبة كاذبة، فالمتظاهرون الذين شاركهم مسيراتهم واعتقل في إحداها يبدون ـ كما يصفهم السارد ـ كأنهم يؤدون أدوارًا زائفة، يصلون إلى لحظة معينة في التظاهر ثم ينصرفون غير مكترثين عن وقت اللهو في التظاهر إلى وقت الجد في مضغ القات، والمحقق لا يبالي به ويسخر منه، ويطلق سراحه ويحرمه من لذة أن يكون له تاريخ سياسي في المعارضة، وحادثة اختطاف “كاثرين” التي شغلت الجميع في المركز الثقافي في صنعاء لم تكن غير حادثة مزيفة، أما عبدالقوي صديق عارف فلم يكن غير نموذج للمعارضة السياسية المزيفة التي عجزت ـ كما يقول السارد ـ عن تأمين علبة حليب لطفل، يبدو عبدالقوي وهو يؤدي أدوارًا زائفة في المناسبات المتعددة، يردد كلمات ليست من تأليفه، ويهتف بشعارات يجهلها، ويتحدث باسم جمعيات ومنظمات لاوجود لها، وفي مشهد حافل بالدلالة الكثيفة، قبل نهاية الرواية، يلقي عارف بالسائل البني الداكن للقهوة الأمريكية التي فشل في إعدادها في فتحة المرحاض، حيث وجد الرائحة الكريهة للسائل الرمادي لبراز عبدالقوي نموذج السياسي المزيف، وهكذا يمكن أن يقرأ الكلام عن القهوة الأمريكية والفشل المتكرر في تناولها إنما هو كلام جرى تشفيره عن واقع فشل الانتخابات والأحزاب والإصلاحات السياسية، وغيرها من عناصر التجربة الديمقراطية في اليمن.

وعندما يعجز عارف أن يكون جزءًا من هذا الواقع يستغرق في أحلام اليقظة الزائفة، ثم يصحو منها على شعور من الإحباط يدفعه في نهاية الرواية عند اكتشاف فشله المريع في تغيير حياته إلى حالة من الجنون والانتحار.

لقد اتجه الكتاب إلى الموضوعات المسكوت عنها روائيًا كالحديث عن التيارات ذات التوجه اليساري في شمال اليمن، ما يطلق عليه “الجبهة الوطنية” وهي حركة معارضة سياسية يسارية نشطت في مناطق الريف الوسطى من شمال اليمن في بداية الثمانينيات، وكانت تتلقى الدعم السياسي من جنوب اليمن، في أثناء مرحلة العداء والتنافس بين الجمهوريتين اليمنيتين اللتين لم تترددا في خوض الحروب بينهما، ولعلّ سبب تأخر التناول أن الكثير من الكتاب الرواية في اليمن ممن يعيشون في شمال اليمن، ولعل الظروف لم تكن مناسبة بعد لتمثيل سرديات نضال هذا الجبهة، واستطاعت رواية (مصحف أحمر) 2010 لمحمد الغربي عمران، والتي كُتبت بعد عقدين من أفول هذه الحركة أن تقدم سردية تستعيد في ذاكرة سردية نضال الجبهة الوطنية ذات التوجهات الاشتراكية في شمال اليمن، وتصور تعرضها للاختراق وكيف أصبح أعضاؤها يلاحقون من قبل السلطات، وفي خطوط سردية متعددة تعتمد بنية سرد الرسائل واليوميات التي تتبادلها أسرة واحدة تمارس النشاط السياسي السري، يتقاطع فيها المتخيل بسرد الوقائع المرجعية، يقدم الغربي عمران جانبًا من تاريخ حركة سياسية تعرضت للفشل والمؤامرات، ولم تخل الرواية من جرأة في تناول التابوهات الدينية والسياسبة والجنسية، وصف المشاعر والانفعالات الداخلية للشخصيات وحالات الشذوذ والمثلية الجنسية، ما يستدعي التساؤل عن تخير الكاتب لمآلات الشخصيات على هذا النحو، وكذلك عن النهاية المأسوية في تحول ابن الأسرة اليسارية “حنظلة” الذي ذهب إلى العراق لتعلم مهنة الطب، فإذا به يعود في صورة متطرف ديني!. في إشارة ومفارقة واضحة إلى مقدار التغييرات العنيفة التي تعرضت لها البُنى السياسية والاجتماعية في العشرية الجديدة.

وستمنح تحولات المشهد السياسي واتساع مناخات حرية التعبير في التناول، ما أتاحت لهم شهية الكتابة في العديد من القضايا المسكوت عنها سياسيًا واجتماعيًا، ويغذي هذه الشهية طبيعة التحولات السياسية العنيفة في المستوى المحلي والتي توشك أن تتحول إلى فوضى عارمة، ما أدى إلى بروز خطابات متقاطعة ومتوازية معًا، تصب في دفع الكتاب نحو إثارة المزيد من القضايا والتساؤلات حول الهويات والأقليات، دون أية قيود أو حدود، ومن ثمرة ذلك إعادة النظر في تفاعلات البنية الداخلية للمجتمع اليمني، والتعبير عن خطاب المهمشين سياسيًا واجتماعيًا، وتسريد الفئات الاجتماعية والدينية، وكأنما يعيد الأدب اكتشاف مكونات المجتمعات المحلية التي ظلت محجوبة من جديد، ما يجعل المتابع يلحظ تصاعد موجة من الكتابة الجريئة، والتي تشكل أحد ظواهر المشهد السردي المحلي في الألفية الجديدة، وقد تعددت دوافع الكتاب وأساليبهم.

سود ويهود ومهمشون:
ومن خصوصيات المشهد الروائي اليمني الجديد تناول القضايا المحلية بأسلوب أكثر جرأة وتشخيصًا لمشكلات الواقع باضطراباته وتناقضاته، مثل موضوعات المهمشين اجتماعيًا: طائفة الأخدام، والمزينين واليهود اليمنيين، وهنا لا يمكن أن نعزل ما هو اجتماعي عن ما هو سياسي أيضًا، لأن الرواية لا تكتفي بالتمثيل السردي لهذه القضايا، وإنما تثير الكثير من التساؤلات المتصلة بالبعد الإنساني والأخلاقي، تساؤلات تحمل النقد العنيف للواقع ولا تبحث بالضرورة عن إجابات حاسمة، فرواية (أرض المؤامرات السعيدة) 2018 لوجدي الأهدل تضع سؤال كبير حول قضية الفساد التي لا يكف الناس عن الحديث عنها، فإذا به بنية كامنة في تفاصيل المجتمع الذي تسوده منظومة علاقات اجتماعية وسياسية سلبية تتيح له أن يتغلل في كل الزوايا، وتناولت ذلك في عدة مستويات، منها النظرة السلبية إلى طائفة الأخدام وامتهان حيواتهم، تصل إلى حد الرق والاتجار بالبشر والاغتصاب والقتل، والعديد من الممارسات العنصرية التي تتعرض لها هذه الطائفة من ذوي البشرة السوداء، لقد استطاع وجدي الأهدل من خلال بنية روائية مذهلة أن ينفذ بجرأة بالغة إلى أدق تفاصيل عميق الوضع المأسوي في المشهد اليمني المعاصر، استخدم فيها أسلوب اليوميات التي يكتبها شاب صحافي انتهازي في أثناء مهمة صحفية لتغطية حادثة اغتصاب فتاة قاصر من طائفة الأخدام، وتكون مهمته تقديم أخبار مفبركة وقلب الحقائق لتبرئة الشيخ القبلي المغتصب، والنيل من المتعاطفين مع الفتاة المغتصبة، تظهرهم في صورة سلبية مشوهة أمام الرأي العام، وينجح الصحافي الشاب في مهمته بفعل مجموعة من الأساليب والفبركات الإعلامية إلى إن يتورط كثيرًا، ويتحول إلى أداة قذرة بيد السلطة للتآمر على خصومها وتشويههم أمام الرأي العام، وفي النهاية يكتشف أنه قد أصبح هو أيضًا ضحية مؤامرة للتخلص منه.

تصف (أرض المؤامرات السعيدة) بسخرية بالغة قبح الأوضاع السائدة التي وصل إليها الفساد السياسي بمختلف مؤسساته من أحزاب وتيارات وسلطات محلية وقبائل، حالة من السقوط الاجتماعي والسياسي الكبير، تحاك في المؤامرات والدسائس والتلفيق والتضليل والجرائم، وكل ما يؤدي إلى انهيار في المجتمع، وتركز على نحو خاص على أساليب المؤسسات الإعلامية في التضليل وصناعة الفساد وتوجيه الرأي العام، وتنطوي الرواية على أسلوب تهكمي في طريقة عرضها للأحداث، وقد تعمد الكاتب أسلوب تهكمي في ترقيم فصولها التي تسير أحداثها وفق بنية خطية تصاعدية متسلسلة، لكنه منح الفصول ترقيمًا عكسيًا، تبدأ باليوم الرابع والستين، لحظة بدء السرد وبدء المهمة الصحافية، إلى تصل فصل النهاية أو اليوم الذي يحمل رقم “صفر”، وذلك في بنية انحدارية تنازلية تماهي يوميات السقوط والانحدار الذي وصل إليه فساد الواقع.

وعالم السود وفئة الأخدام والمهمشين، قد كتب عنه علي المقري بأسلوب لم يفتقر إلى الجرأة في التناول في رواية الأولى (طعم أسود.. رائحة سوداء) 2008، وكان ـ وقتئذ ـ من الموضوعات المسكوت عنها، فجاءت الرواية كاشفة عن عالم جديد يطل عليه القارئ بدهشة التعرف إلى مجتمع السود (الأخدام) الذين يشكلون مجتمعاتهم الصغيرة على هوامش المدن، وينظمون حياتهم بأسلوبهم الخاص بعيدًا عن الآخرين، وتُروى تفاصيل الحياة الخاصة لهؤلاء السود، من خلال عين شاب صغير من طائفة في أدنى السلم القبلي (المزينين) يهرب برفقة حبيبته إلى (المحوى) الذي يعيش فيه الأخدام قرب مدينة كبيرة، فتصبح رحلة السارد الذي جاء من خارج مجتمع الأخدام رحلة كاشفة عن هذا العالم المسكوت عنه، وعن طبيعة طقوسه وتقاليده الخاصة، وكاشفة عن علاقة الرفض المتبادل بين الأخدام وبقية المجتمع في الخارج الذي تسوده التقاليد القبلية المدعمة بموروث وميثيولوجيا تحرم الالتقاء بالأخدام، مثل المشاركة في الطعام أو التزاوج، وبموروث تاريخي كبير من الصراع والكراهية المتبادلة، تذهب الرواية في تناوله نحو الاقتراب من السرد التاريخي لبعض الوقائع التاريخية التي تعرض فيها السود في اليمن للمهانة وللقتل بسبب العرق واللون الأسود، وتتناول الحدود الفاصلة بين مجتمع الأخدام والمجتمع القبلي الذي يعيشون على أطرافه، والذي لا يسمح لهم بالتعايش معه إلاّ في حدود مساحة صغيرة، تحكمها نظرة الاستعلاء، وبالمقابل تتناول الرواية تفاصيل الرفض الذي يبادله الأخدام للمجتمع القبلي حين يرفضون كل تقاليده ونظامه الاجتماعي ليصنعوا لأنفسهم تقاليدهم ونظامهم الاجتماعي الخاص المتضاد مع نظام وتقاليد المجتمع القبلي الذي يحيط بهم، ليصل الرفض حدّ التحرر من كل شيء، حين يتمسكون فيه بأسلوب حياة تختلف عن كل ما يسود خارج مجتمعهم رفضًا لهذا الخارج الذي ينظر إليهم من خلال قيمه الخاصة التي لا تسمح لهم إلاّ بالبقاء في الهامش، ولأنه قد فرض عليهم العيش في هذا الهامش فقد راحوا يشكلونه ويعيشونه كما أرادوا هم لا الآخرون.

في اتجاه اكتشاف معاناة السود تناول عمار باطويل في روايته الأولى (سالمين) 2015، نظام الرق والعبودية الذي بقي في بعض مناطق اليمن حتى نهاية النصف الأول من القرن الماضي، وكيف استطاع نظام الرق أن يعيد إنتاج نفسه في حضرموت في صيغة اجتماعية أبوية/ قبلية، غير أن عقدة السيد والعبد ظلت مشكلة قائمة، وتمنح شخصية العبد الأسود “سالمين” في السرد بعدًا إنسانيًا في أثناء صراعه مع عقدة اللون والعبودية، وعلى الرغم من تحول سالمين بطل الرواية إلى مغترب ثري في السعودية، فقد ظلت عقدة اللون الأسود والعبودية تشكل معاناة نفسية وتشعره بالاستلاب أمام الأخيرين، لم يستطع في جمعه للمال وتحوله إلى طبقة الأغنياء أن يتجاوز آثارها: “العبودية تلاحقني منذ الصغر، وهي عقدة الماضي والحاضر، فلا تتركني في سبيلي، كلما أحاول نسيانها تلاحقني في المنام، حلمت أكثر من مرة بمحمد سالم يجوب بي شوارع كبيرة، ليست بضة في دوعن، مدينة كبيرة وهو يقول بصوت متقطع، وأكثر وحشية من قبل: عبد للبيع، عبد للبيع من يشتري؟، هذا سالمين العبد للبيع بسعر مغرٍ”.

إن مشكلة الهوية واللون الأسود ومعاناة المولدين كان قد كتب عنها محمد أحمد عبدالولي في (يموتون غرباء) 1971 والتي يمكن عدّها أولى الكتابات الجريئة في تناول موضوع هوية المولدين من ذوي البشرة السوداء، غير أن سامي الشاطبي في (أنف واحد لوطنين)2017 سيعد تعميق هذا القضية في إطار مفارقة نكوص المجتمع باتجاه القيم القبلية والعنصرية السلبية، تقدم هذه الرواية إشكالية قديمة جديدة، تتصل بسؤال الهوية والانتماء، ليس كما تقدمها الذات عن نفسها بوصفه اختيارًا من لدنها، حين تدافع عن هويتها وتعتز بذلك، وإنما تقدم الرواية هذه الإشكالية من خلال نقد الرؤية السلبية في المجتمعات المتخلفة التي تتعصب لفكرة اللون في نظرتها لهؤلاء الذين يطلق عليهم اسم (مولد)، والتي تحددت دلالتها فقط في أبناء اليمنيين من أمهات حبشيات أو أفريقيات سود، ذلك ما يعبر عنه الفتي “صادق” الذي يعانى من التمييز العنصري في مجتمع متخلف يعيد إنتاج القهر والنظرة الاستعلائية على طائفة من أبناء جلدته بسبب اللون، ذلك ما دفع الفتى المولد على إطلاق أمنيته: “آه.. لو كانت أمي فرنسية أو أمريكية، لكنّوا لي احترامًا وخوفًا مبالغًا فيهما”، ما يعني أن الموقف هو من الأسود وليس المولد، وهو موقف سليل ثقافة لا ترى في الأسود غير المعاني السلبية التي هي في الواقع انعكاس لثقافتها العنصرية العصبوية، يصبح الأسود ضحية للممارسة أشكال القهر والظلم الاجتماعي، وبمهارة بالغة يسلط سامي الشاطبي في هذه الرواية على خطاب الظلم الذي يتعرض له صادق بوصفه مولدًا من أم أفريقية.

لا يجد الفتى صادق ملاذًا من سخرية الأطفال غير أمه الحبشية، والتي تمنحه كلماتها قوة وحكمة في تجاوز شعوره بالانتقاص المستمر من هويته، وحين تموت ويتبعها بمدة قصيرة أبوه، يزداد شعوره بالاغتراب عن الناس، ويقرر أعمامه التظاهر برعايته، يعلم صادق أنهم يكذبون عليه، لكنه يبحث فيهم عن أسرة وحضن وملاذ، لكنهم في الواقع يرفضون انتماءه إليهم بسبب لونه، يقول له عمه الذي قرر الاستيلاء على ميراثه: “أنت مولد وأمك حبشية وما يحق لك أي ميراث” وحين يذكره أنه ابن أخيه، ينكر نسبه فيهم قائلا له “لا.. القبيلي ما ينجب أحباشًا”. يطرد من القرية مثلما طرد أبيه من قبل، فلا يجد الشاب الصغير صادق إلا أن يقاوم بكل قوة من أجل استعادة هويته التي تنكر لها الأعمام بعد أن استولوا بالخداع على تركته من أبيه، ويتخذ موضوع استعادته لأوليات أوراقه المدرسية والخاصة بعدًا رمزيًا، تصبح استعادته لشهاداته الدراسية في المرحلة الإعدادية من بيت أعمامه قضية تشغله أكثر من استعادة تركته المنهوبة، وبناءً عليها يستطيع استخراج وثيقة هويته، لكن لعنة كونه من المولدين تظل تطارده، فيقرر الذهاب إلى أثيوبيا بحثًا عن عائلة أمه الحبشية، لكنه يكتشف هناك أنه مجرد (كلس) أي مولد باللغة الحبشية، فهو ابن لأب يمني من أم حبشية، ويروى مجموعة أخرى من الصور المأساوية التي يعيشها هناك أبناء اليمنيين المهاجرين.

كما أن (نزهة عائلية) 2017 لبسام شمس الدين لا تنتقد الأوضاع الاجتماعية والأعراف القبلية التي تسود المجتمعات المحلية وتتحكم في شؤونها حتى تتحول سجنًا لمن يؤمنون بها فحسب، بل تتحول إلى مسبار لاختبار صدق هذه الأعراف والقيم القبلية وإبراز تناقضاتها. وتتناول الرواية خطًا سرديًا يروي تفاصيل الحياة التي يعيشها الشاب الجزار الذي ينتمي إلى فئة (البَيَع)، والتي ينظر إليها بشيء من الانتقاص، بعد أن يجد نفسه متورطًا رغمًا عنه في نزاع بين قبيلتي آل طعيم وآل شهوان، حين تقوم الأخيرة باغتيال زعيم القبيلة الأولى في وسط السوق، ما يعد عيبًا وانتهاكًا للعرف القبلي الذي لا يسمح بذلك، ويشهد مأمون تفاصيل واقعة الاغتيال من عتبة باب دكانته، فيجد نفسه مضطرًا في تلك اللحظة للدفاع عن الفتى الصغير ابن الزعيم القبلي المقتول، الذي استنجد به حين دلف إلى دكانته، ويحول دون قتله، ويترتب على ذلك سخط قبيلة آل شهوان عليه، فيصبح متورطًا في هذا النزاع القبلي، وتتوالى مجموعة من الأحداث التي تستمر لأكثر من عشرين سنة تصف اتصاله وتبعيته لأسرة الشيخ القبلي المقتول، وما يحدثه ذلك من تأثيرات إيجابية وسلبية في مسارات حياته. وتنتهي الرواية بمشهدية بالغة الدلالة والإيحاء، وهي اجتياح القبيلة بكل أفرادها وأسلحتها للمدينة من أجل القيام بعملية الثأر القبلي، تصبح المدينة مكانًا مستباحًا للقيم القبلية السلبية، وهي حالة استعارية للمشهد العنيف لحظة سقوط صنعاء في 2014 إثر اجتياح مليشيات الحوثيين.

أما تناول موضوع اليهود اليمنيين، الذي بات يشكل أحد أهم ظواهر المشهد الروائي الجديد، وفقد تناوله الكتاب في مستويات ورؤى متعددة للآخر اليهودي، بداية بحضوره على استحياء في رؤيتين مختلفتين، في كل من روايتي (ركام وزهر) 1988، ليحيى علي الإرياني، في صورة المعلم “سالم” اليهودي التي تحظى بالاحترام بوصفها رمزًا للطيبة والخبرة بشؤون القرويين ومساعدتهم، و(زهافار) لياسر عبدالباقي، التي تقدم صورة لليهودي المتطرف الذي يمارس العنف، إلى التحول في الغوص في تفاصيل العلاقة بالآخر اليهودي، في البعدين الاجتماعي والثقافي، على النحو الذي صاغته رواية (بخور عدني) 2014 لعلي المقري، وذلك من خلال سؤال الهوية والمواطنة والعلاقة بالمكان، وعلى نحو خاص في القسم الثاني من الرواية الذي حمل عنوان (دكان اليهودي) غاص فيه المقري في أعماق علاقة اليهود اليمنيين بمجتعهم المديني العدني، وكيف تحولوا في لحظة كراهية سياسية طارئة على تاريخ طويل من التعايش إلى أولى ضحايا ردة الفعل الشعبية على قضية احتلال فلسطين، كانت الرواية تركز أيضًا بعناية فائقة على أجواء على خصوصية التعدد والتنوع الثقافي والديني الذي عاشته مدينة عدن في نهاية النصف الثاني من القرن الماضي، بما في ذلك مجتمع اليهود، وفي أثناء ذلك يستعيد الكاتب صورة عدن “الكوسموبوليتية” في ظل الاحتلال البريطاني، وعلاقة الشخصيات المتعددة أعراقها وثقافاتها بالمكان المديني، بوصفه صاهرًا لكل أشكال الهويات الفردية والاجتماعية والعرقية والتقليدية في إطار هوية جديدة عابرة لحدود اللون والعرق، هي هوية “العدني”، بوصفها نسبة إلى المدينة وليس إلى العرق أو المعتقدات، ومن خلال منظور الراوي وهو شاب فرنسي هارب من التجنيد في المقاومة الفرنسية في الحرب العالمية، يحاول أن يجد لنفسه هوية بديلة في مكان مفارق، وتطرح الرواية في أثناء ذلك سؤال مهم في طبيعة الهوية، من هو العدني؟، فتصبح مدينة عدن أشبه بالحلم أو اليوتوبيا الذي تنصهر فيه أجناس بشرية ومعتقدات وأديان باتت تنتمي إليها، غير أن تحولات الواقع العنيفة التي تشهدها المدينة عند بداية تأسيس الدولة الوطنية في الجنوب تؤدي إلى نهايات مأساوية لحلم جميع شخصيات الرواية تصل بها إلى نهايات مأساوية.

وهذه الرؤية الكوسموبوليتية لمدينة “عدن” في جنوب اليمن في الخمسينيات سوف تعيد تسريد مروياتها رواية (ستيمر بوينت) 2015 لأحمد زين، والتي تصف يوميات “التواهي” الحي الأجنبي التجاري في مدينة عدن، الذي يحمل الاسم الانجليزي “ستيمر بوينت”، بمختلف أجناسه وأمكنته وتفاعلات شخصياته عشية الاستقلال الوطني، يصف زين لحظات الانفعالات والتوتر النفسي بسبب التحولات العنيفة التي شهدتها المدينة ورحيل الجاليات الأجنبية عنها.

وتتسم روايتي علي المقري وأحمد زين بنزعة حنينية لصورة المدينة الكوزمبوليتارية، وهي ليست نتاج سرد نكوصي ما بعد الكولونيالي يمجد الاستعمار وزمنه، وإنما مكمن دلالة السرد في المفارقة التاريخية لمأساوية لتحولات الواقع الراهن لعدن، في ظل غياب تلك الحالة المدينية الخمسينية وقيمها الحضارية في التعايش، والتي كانت قد أخذت في التشكل آنذاك، وإن كانت بفعل الاتصال بالاستعمار: بريطانيون وفرنساويون وإيطاليون وجنسيات أوروبية أخرى، أو الاتصال بمستويات متعددة من الآخر وثقافته: هنود وصومال وآسيويون وأفارقة، أو الخليط من الديانات والمذاهب: مسلمون ومسيحيون ويهود وهندوس وبهرة إسماعيليون، وهي صورة مفارقة للمدينة المنتهكة بمظاهر الترييف والفوضى التي شهدتها المدينة اليمنية في العقود الأخيرة.
آخر الأعمال الروائية التي تناولت موضوع اليهود (حانوت شؤذب) 2017 لعبدالله عباس الإرياني، وفي الحانوت تفاصيل الحياة الداخلية لليهود اليمنيين الذين رفضوا الهجرة إلى فلسطين المحتلة، وكيف تحول بعضهم إلى “مهتدين” بدخولهم الإسلام، تطرح الرواية مشكلات الهويات المتحولة، شوذب التي تحولت إلى خديجة، يعقوب الذي تحول إلى عبدالصمد، وحاييم الذي تحول إلى عبدالواسع، وسلسلة الإغراءات والدوافع التي جعلتهم يدينون بالإسلام، مقاومة فكرة الهجرة دفعت بشوذب إلى البقاء في مجتمعها، وحب (نعايم) المسلمة دفع يعقوب إلى ترك يهوديته، ورغبة حاييم في البحث عن مخطوط التوراة وجمع الثروة وشراء بيوت ذي شوذب المحرم بيعها على اليهود جعله يعقد صفقة التحول الديني، كاشفة في أثناء ذلك عن الصراع الداخلي في إطار البنية الاجتماعية القبلية السلبية التي تعتمد في سلّمها على ترسيخ فكرة القبلية والطائفة المهنية والدينية، الرعوي يبقى رعويًا مهما توفرت له شروط الانسلاخ عن طبقته أو فئته، واليهودي يبقى كذلك يهوديًا مهتديًا حتى إن تحول إلى الإسلام، وبهذا تقدم (حانوت شوذب) نقدًا مباشرًا للواقع القبلي الذي يستند على موروثات سلبية، وعلى الرغم من أن هذا النقد المجتمعي بات تقليدًا، فإنه لم يخل من جرأة التناول في إطار وضعية اليهود في هذا السلم الاجتماعي.

وعلى الرغم من وفرة الروايات اليمنية التي تناولت موضوع اليهود اليمنيين، فقد كانت في مجملها تعيد قراءة العلاقة بين الأنا والآخر اليهودي ليس بوصفه مفارقًا، وإنما بوصفه جزء من تشكلات الذات والهوية الجماعية نفسها، ولذلك جاءت خالية من الرؤية التنميطية لصورة اليهودي السلبية. وفي البعد التاريخي تحاول روايتي (اليهودي الحالي) 2009 لعلي المقري، تقديم “تخيل تاريخي” عن واقع العلاقات الاجتماعية بين اليهود والمسلمين من زاوية تناقضات الهوية المتحولة، وكذلك تفعل (ظلمة يائيل) 2011 للغربي عمران في الاتجاه في العمق التاريخي الذي يعود للقرن الخامس الهجري تفاصيل حياة يهودية بوصفها “تخيل تاريخي”، وستمتد تفاصيلها إلى روايته الأخيرة (مملكة الجواري) 2017، وهكذا ستحتل ظاهرة تسريد حيوات اليهود مساحة أوسع في الروايات، بوصفهم أكثر الفئات الاجتماعية تعرضً للظلم الاجتماعي والتهميش. لكنهم أيضًا ليسوا وحدهم من يطالهم التهميش في مجتمع يعيد إنتاج أشكال القهر والاستبداد والتمييز على نفسه!.
…………
نشرت الدراسة كاملة في العدد التاسع لمجلة الناصية. يونيو /حزيران. 2026
رابط تحميل العدد.
https://www.al-nasiya.com/category/pdf-file
……………….

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img