آخر الأخبار

spot_img

ومضات انطباعية عن شعر الشاعر عبدالمجيد التركي في مجموعته (كبرت كثيرًا يا أبي)

“صحيفة الثوري” – (ثقافة):

عبدالحكيم الفقيه

ينعكس في شعر الشاعر عبدالمجيد التركي شموخٌ يشبه شموخ شهارة، حيث الجبال الباسقة، وحيث تقترب القمم من السماء، ويكاد الواقف أن يلامس النجوم، أو أن يقول للسماء: ارتفعي قليلًا كي لا أحني قامتي.

عبدالمجيد التركي شاعر يبدع في شعر التفعيلة والتدوير، وقرأت له قصائد غنائية عمودية عامية، لكنه بعد ذلك اتجه صوب القصيدة الأجدّ، المتمثلة في قصيدة النثر.

هذه السنوات العجاف، منذ عام 2014 حتى اليوم، والتي مرت وتمر بها اليمن، قضت على التواصل، وأعدمت الصحف الورقية، لكن الشعر عصيّ على التدجين؛ فواصل انبجاسه رغم صلابة الحصار وإسمنتية الواقع.

ومنذ أربعينيات القرن المنصرم، والشعر الجديد يواصل دبيبه وديمومته واستمراريته رغم بؤس الظروف؛ فانبثقت قصيدة التفعيلة، وبعدها انبثقت قصيدة النثر. كما جددت القصيدة البيتية مضامينها، وها هي الأشكال الشعرية تتعايش رغم تراجع الشعر وانكماش شعبيته بسبب ظروف الحرب وهيمنة منصات التواصل.

الشاعر عبدالمجيد التركي شاعر متمكن، ذو مقدرة، ويعرف متى يعانق القصيدة والشعر، ويكتب بعفوية وصدق، ويخلص للكتابة، قاهرًا كل ما يحيط به من ظروف.

صدرت له عام مجموعة شعرية جديدة بعنوان (كبرت كثيرًا يا أبي)، تقع في 162 صفحة، وتنتمي إلى قصيدة النثر.

تكتنف المجموعة صور شعرية شتى، حشدت المخاوف والتأملات والذكريات، وإفراغ اللاشعور، ومعتقدات الطفولة، والأحداث والذهول، وإفراغ ما في جعبة النفسية دون مواربة أو تصنع. إنها مهرجان من تفاعلات الحياة بمفردات تعكس خشونة الواقع بأسلوب تصويري بسيط.

كان للتشبيه نصيب الأسد من المحسنات البديعية، أشبه بأحداث رواية دون رابط سردي كرونولوجي أو فلاش باك، وتنم عن مخزون كبير من الخبرات ومعتقدات الريف اليمني، وشحذ الخيال والرؤية كواقع يدركه الشاعر وتصوراته.

تتعدد المشاعر الانفعالية بين إبداء الحزن والمخاوف وتقدير الذات، وبعض السخرية من بعض المعطيات. وتم بناء الديوان في صفحات ومقاطع دون عناوين، وبدا الديوان وكأنه قصيدة نثرية طويلة واحدة.

اللغة جمعت بين مفردات الخشونة ومفردات الرقة، وبين المفردات الاستاتيكية والمفردات الحيوية الديناميكية. وتلوح الاستعارات والتشبيهات كترس هام في عجلة التصوير، ويلوح الصوت بين الصخب والهدوء، فيما جمع الجو النفسي بين فضاءات شتى، وهناك أجواء تشبه الكابوس في بعض سياقات المجموعة.

هناك تنقلات بين المتحدث والمتحدث الأول والمخاطب، وهناك تنقلات في الأصوات لخلق الجو الشعري الممتع.

للنثر متسع وحرية؛ لا قيود مكبلة ولا فضاء مخنوق. تتسع الرؤى، وتنتبش الذاكرة، وينصهر مثلث الزمن، وينهل الشاعر من السلسبيل المتاح ليدون قصيدته التي تشبهه تمامًا. فالنثر يرسم لوحات تركز على تفاصيل أدق الأشياء، وعلى عموميات مشتركة لبني الإنسان، ويرى الذكريات جمالًا محضًا، وكسرًا لنواميس تقليدية، وتجريبًا مستمرًا دون توقف؛ لأن التوقف ينهي حياة التجريب.

الشعر الجديد في اليمن، رغم قسوة الظروف وبشاعة الحرب والحصار، ما زال يأتي بكل جديد، ويقاوم الموت واليباب، وينتصر للحياة والحيوية والتجدد، ويخلق فضاءاته ويحلق في الآفاق.

الشعر اختزال الحياة والحلم، ورعشة روحية، ودهشة واقعية، وتأملات في روح الكون، وتوق نحو الجمال والكمال، وتصوير ذاتي بريشة الكلمات وقلب الشاعر الذي يمشي على الأرض، وإشارات ورموز توحي، وبوح شفيف، ووطن أقل إيلامًا من الواقع الراهن.

من المعروف أن مسألة صراع الأشكال الشعرية قد ولّت وانتهت، وأصبح الشعر الجيد مستقلًا عن الشكل؛ فكل شكل يكتنف الجيد ويكتنف الرديء، ولم يعد يشكل مصدر أفضلية، وهذه خطوة متقدمة في مجال البحث والباحثين عن كنه وماهية الشعر.

إن تحرر القصيدة النثرية من القوالب والبحور يضفي عليها سمة العالمية، عكس القصيدة البيتية التي تعيش داخل لغتها؛ لأن نقلها إلى اللغات الأخرى يفقدها الكثير، بينما نقل القصيدة النثرية إلى اللغات الأخرى لا يفقدها شيئًا؛ لأنها تحررت من قفص اللغة، وصار متاحًا لها التحليق بأي لغة، فلا قافية ولا إيقاع يكبلانها.

الوطن ثيمة أساسية يشترك فيها معظم شعراء اليمن، ومع هذا أزعم أن الأوضاع وحضورها في جلسات مضغ القات هي التي تقحم الوطن كمصطلح سياسي بين جوانب قصائد الشعراء، وأزعم أن اختلالات الأوضاع تدفع الشعراء إلى ترميم الوطن في قصائدهم.

لا علمية في تعامل النقد مع الشعر، وإن حضرت الأعداد والأشكال والجداول؛ فالنقد انعكاس ذاتي لذائقة وثقافة الناقد ومراسه في الشعر إن كان شاعرًا. ولتأكيد ذلك، يظل الشعر عصيًا على التعريف؛ فلو حصرنا تعريفات الشعر لحشدنا مجلدًا سميكًا لمحاولات تعريفه، وهذا يؤكد عدم علمية النقد، وأنه خلاصات مناهج ومدارس تؤطرها الذات الإنسانية في مضمار التحليل والتذوق الأدبي الشعري.

لست مع تشعبات طرائق النقد والتعامل الجزئي مع النصوص، ولا مع الطرائق التي تزعم العلمية والإلمام الشامل. وأستعير مقولة كبلينج وأحورها بالقول: “العلم علم، والأدب أدب، ولن يلتقيا”؛ فالعلم له مقاييسه الدقيقة وثبات نتائجه، بينما الأدب مثقل بالذاتية واللحظات السيكولوجية والتأويل المفتوح.

ولست مع التعقيد والغموض إبداعًا ونقدًا؛ فالبساطة والعثور على الشعرية في تفاصيل الحياة اليومية هما المصدر للقصيدة النثرية، وما يترتب عليها من خلق جديد ممثل في القراءة النقدية.

الشاعر الكبير عبدالمجيد التركي التقيت به شخصيًا -كما أذكر- في تعز وصنعاء؛ في حين قامت “رابطة جدل” بزيارة الفنان أيوب طارش، وفي صنعاء في منزل المرحوم عبدالوهاب مزارعة، على هامش ملتقى الشعر العربي. وجدت الشاعر عبدالمجيد بسيطًا كقصيدة تمشي على الأرض، يحب الناس واجتماعيًا، ويصغي ويتكلم في الوقت المناسب. عرفته تفعيليًا، أما حينما أصبح نثريًا فلم ألتقِ به إلا عبر شبكات التواصل والمنتديات الإلكترونية، وهكذا حال يمن الحرب والعبث والشتات.

لا معلومات حول الانبجاس الأول للشعر، في أي مكان أو زمان أو لغة، لكنه كان مموسقًا وإيقاعيًا، يساعد الإنسان الأول على هارمونية اتساقه مع العمل، أشبه بالأهازيج الفلاحية. ففي البدء كانت الكلمة، وكان النغم غلافها لإضافة كائن معنوي مجرد، وهذا التراكم الروحي أحاط بأسئلته حول الإنسان منذ البدء.

يكتب عبدالمجيد التركي الشعر مقتنصًا ذكريات الطفولة والأساطير التي تغلف حياة الطفولة في مجتمع كان ساكنًا؛ تشكل الخرافة والأساطير مجمل حياته. واستطاع الشاعر بمخزن ذاكرته أن يشكل من تلك الاعتقادات أجمل القصائد والصور الشعرية. وفي قصائده تتعدد الشخوص المتحدثة، وتتفاوت الحركة والسكون في المفردات، ويبني قصائده بمهارة فائقة، وتنم عن أنه قارئ ومطلع على منجزات الشعر العربي، واتخاذه لغته وبصمته الشعرية الخاصة.

وتتمظهر وتتجلى في مجموعته المحسنات البديعية والأصوات، وكأن ديوانه يختزل حياة بكل صخبها وأحزانها وأفراحها، وتوقها صوب الغد الذي يحلم أن يكون أقل ألمًا ووجعًا، ويتسع فيه حيز الفرح.

تتنوع الموضوعات والمغازي وأشكال الجمل، والعناية بالصنعة والسبك، وتتكثف العاطفة والانفعالات، وتتكاثر الصور والألوان والأصوات، وتتسع رقعة الجمال والسحر الشعري. وتعد مجموعته (كبرت كثيرًا يا أبي) إضافة نوعية لمكتبة الشعر العربي الحديث في اليمن، في ظرف زماني ومكاني مخيف، حيث تُساق البلد كماشية صوب مسلخ الطائفية والانقسام والشتات والفقر والجهل والدم والدموع والقمع والإرهاب.

الأوضاع مقلقة للغاية؛ فعلى الشعر أن يقلق، أو أن يتبلد، أو يغادر صوب البعد عن الواقعية وكتابة النص المعلق في الفراغ، حيث لا فكرة ولا مضمون، ولا يوجد إلا هذيان وهراء وتلاعب بالكلام. والشاعر عبدالمجيد بريء من ذلك؛ فشعره يلامس الواقع ويتوق إلى واقع أنقى وأرقى.

إن ثيمات الأسى والحزن والعبث واليأس من سمات الشعر العربي الحديث، انعكاسًا لواقع عربي مأزوم. وإن ثمة فرحًا، فهو إبحار ضد التيار الجارف؛ فالوطن العربي جزيرة نائحة تحيط بها دموع الحزن من جميع الجهات.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img