آخر الأخبار

spot_img

وقفة انطباعية أمام شعر الدكتور الشاعر سلطان الصريمي

“صحيفة الثوري” – (ثقافة):

عبدالحكيم الفقيه *

يعد الشاعر سلطان الصريمي أحد أبرز الأصوات الشعرية اليمنية، حيث اختط لنفسه بصمة متفردة ومتميزة منذ البدء. عرفت الشاعر سلطان الصريمي من خلال كلماته في الأغاني، ومن خلال ديوانه “أبجدية البحر والثورة”، والتقيته شخصيًا في صنعاء وعدن وتعز. أتذكر أن أغنية “نشوان” للمرشدي انتشرت بشكل منقطع النظير، ووضعت اسم سلطان الصريمي على كل شفاه، وفي حديث كل مقيل، خصوصًا حين كانت الحركة الوطنية اليمنية في أوج مجدها.

ثمة طرائق نقدية للولوج إلى عالم الشعر، يدخل منها المتذوق أو المتلقي لمعانقة كنه الشعر. هناك الطريقة المألوفة التي تقرأ ظروف الشاعر الحياتية، وتطور تجربته، ومقارنة قصائده ببعضها البعض أو بقصائد أقرانه في اللحظة الزمنية والمكانية ذاتها.

وتعقبها الطريقة الشكلانية التي تركز على ثيمات القصيدة وشكلها وموسيقاها الظاهرية، ونوع التصوير والإيقاع، وطريقة تماسك مداميكها وبنائها. وهناك الطريقة الماركسية التي تتناول النص الأدبي بوصفه وثيقة أيديولوجية لها سياقها في الصراع الطبقي الذي ينتاب المجتمعات، كوقود محرك لعجلة التاريخ.

وهناك الطريقة البنيوية التي تحلل البنى الإيقاعية والجمالية والفكرية، وترجعها إلى عناصرها الأولية، فتشريح القصيدة يساعد المتلقين على إدراك مجمل البنى ومعانقة روح الشعر.

وهناك التحليل النفسي الذي يزعم أن الإبداع، ومنه الشعر، نتاج حالات مرضية غير مستقرة نفسيًا، وهناك الطريقة النسوية التي تعالج أدب النساء وصورتهن في أدب الرجال، وهناك الطريقة الإيكولوجية التي تعالج الأدب من خلال مكونات البيئة فيه.

من جماليات الشعر أنه لا يوجد له تعريف محدد، ولا يقاس بالمسطرة، وكل محاولات تعريف الشعر تعد محاولات جزئية، وتركز على جانب من جوانبه المتعددة.

من كل هذه البساتين سأنتقي أجمل الزهرات لأقدم مزهرية قراءتي المتواضعة لشعر الفقيد الصريمي، مستندًا إلى ما توفر لدي من قصائد المرحوم، ومحددًا عدم الاكتمال لضيق الوقت والظروف الراهنة.

“نفسي برقصة برع
نفتش الأوراق
نشوف من يبترع أعوج
ومن ساني”

كلمات بسيطة وعمق فني يكتنفان فكرة، وهذا هو الشعر.

كتب الفقيد شعره بدم القلب، وأخلص لصدق الشعور بكتابة الشعر الغنائي بموسيقى رفيعة وذاتية صادقة، وأخلص لعامية اللغة التي، في بعض الأحيان، تقول ما تعجز اللغة الفصحى عن قوله.

وكما يقدم الشعر المتعة والجمال والفرح، فقد ظل الشاعر مسكونًا بالشعر، باسماً ومبتسمًا لكل من يقابله في مناشط الحياة اليومية، بما في ذلك مناشط الهم السياسي والاجتماعي.

“مادام قلبي بحبك مبتلي
يتحملك طالعة أو نازلة
لجل تطلعي
لجل تطلعي”

لم يعش قضايا مجتمعه اليمني وحسب، بل كانت القضايا القومية والإنسانية حاضرة وبارزة في شعره.

وكما شكل الفضول وأيوب ثنائيًا فنيًا بديعًا، شكل الصريمي مع عبدالباسط ثنائيًا فنيًا متميزًا، له بصماته وآفاقه المختلفة، والذي أضاف طابقًا إلى مبنى مدرسة الأغنية التعزية، حيث الطرب الملتزم بقضايا المجتمع وتقدمه، والدعوة إلى بسط العدل ورفع الظلم وإنهاء المظالم ونبذ العنف والانقسامات وتحقيق المواطنة المتساوية، امتدادًا لنضالات الحركة الوطنية اليمنية منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن المنصرم، في سبيل إقامة دولة العدل الاجتماعي التي تضمن التوزيع العادل للثروة والسلطة.

عرف الناس الفقيد سلطان الصريمي شاعرًا فأحبوه، وحفظوا قصائده عن ظهر قلب، وعرفوه برلمانيًا فكان صوت الشعب الذي لا يساوم، وعرفوه صحفيًا فأحبوا قلمه، وأدار صحيفة “الثوري” باقتدار، وعرفوه مناضلًا اشتراكيًا فكان عصيًا على الانكسار أو الصمت أو الانزواء.

الطرب بالكلمات إحدى سمات شعر الفقيد، فثمة إيقاع موسيقي رفيع، سواء في الانسياب السلس للتفعيلات، أو في جرس الاتساق بين حروف الكلمات المنتقاة باحترافية وعناية في لحظة المخاض الإبداعي للصور الشعرية.

ويلاحظ في قصائده القدرة على تخدير الرقباء، وهذه من أهم قدرات المبدع، وخصوصًا في شعر الواقعية الاشتراكية التي أخلص لها الفقيد في الثورة المستمرة وقضاياها، التي جعل الشاعر شعره عجلة في تروس التثوير الدائم صوب التغيير السياسي والاجتماعي المنشود.

ثمة حضور مكثف للتراث الشعبي اليمني من خلال الرموز الشعبية، والسبيكة اللغوية العامية الغنية بالدفقات الشعرية ذات الحساسية العالية والشفافية، في اتساق هارموني سلس مع الذائقة، سواء عند المتلقي العادي أو المتمكن الذي يقاسم الشاعر الخلق الثاني للنصوص.

الانطباع العام حول شعر الفقيد الصريمي يمكن إيجازه في الآتي:

أولًا: تعدد المتحدثين في القصائد، وهذا يعكس ازدحام الناس في مباني ومعاني القصائد.

ثانيًا: تراوحت المغازي والثيمات بين توثيق فلكلور وصخب حياة الشعب اليمني بشقيها المفرح والمترح، وكذلك صراع الخير والشر من خلال التباين الذي تسببه الألوان والنبرات في مداميك القصائد، منذ انبثاق سبتمبر العشق الذي لا يعرف أسراره سوى الشاعر، مرورًا بنضالات الحركة الوطنية وحلم الوحدة والحرية، ورصد معاناة الأرض والإنسان فيما عقب الوحدة من أعوام وعقود.

ثالثًا: الأرض ومعطيات الكون والتراب والبيوت والأزاهير والمواسم والأمكنة والأزمنة هي معجم الشاعر، التي مثلت مداميك وحجارة الهرم الشعري عند الفقيد. ويحس المتلقي أن القصائد المفعمة بالذاتية والغنائية تخاطب كافة الحواس، وكأنها واقع حي يتمرأى أمام حواس المتلقي.

رابعًا: لأكثر من خمسة عقود تتراوح أعمار قصائد الفقيد وتجربته الشعرية، وكانت صنعاء وعدن والحديدة وتعز هي الأماكن التي ولدت من رحمها قصائد الصريمي.

خامسًا: السلاسة والشفافية في انتقاء المفردات وتكوين الصور الشعرية المفعمة بالحيوية والديناميكية، وكأن كل قصيدة مهرجان شعري مليء بالإيقاع والفرح والحركة وتعدد الأصوات وأصدائها.

سادسًا: لوحظ صدق الأحاسيس والإفراط في الفرح والحزن، وهنا يتجلى ديالكتيك الحياة كمكون رئيس من مكونات القصيدة عند الفقيد.

وأخيرًا، انبثاق الحكم والأمثال والقوانين من خلال الشعر عند الشاعر سلطان الصريمي، تغشاه رحمة الله.

* ورقة قدمت في الأمسية التأبينية للشاعر الفقيد الصريمي في مقر منظمة الحزب الاشتراكي اليمني بمحافظة تعز.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img