صحيفة الثوري – (مقال رأي)
همدان زيد محمد
لم تبدأ مشكلة الحوثي من لحظة حمله السلاح، بل من الفكرة التي منحته مبررا لحمل السلاح. إنها فكرة ترى أن الحكم ليس حقا متاحا لجميع اليمنيين، وإنما امتياز مرتبط بسلالة أو جماعة تدعي لنفسها مكانة دينية خاصة. وعندما تتحول السلطة من خيار سياسي يختاره الناس إلى حق يقال إنه ممنوح من السماء، فإن المجتمع لا يعود أمام مشروع حكم، بل أمام مشروع وصاية.
فالخطر الحقيقي في فكرة “الحق الإلهي” لا يكمن في كونها مجرد رؤية دينية، وإنما في تحويلها إلى أساس سياسي يمنح جماعة بشرية سلطة فوق المجتمع، ويجعل اعتراض الآخرين على مشروعها وكأنه اعتراض على إرادة الله. وهنا تنتقل السياسة من مجال الاختلاف والمنافسة إلى مجال الطاعة والتسليم، وتتحول المواطنة من حق متساوٍ إلى موقع تابع لمن يملك تفسير الحقيقة.
لقد أعاد الحوثي إنتاج واحدة من أكثر الأفكار رجعية في التاريخ السياسي، وهي فكرة أن هناك فئة مختارة بطبيعتها للحكم، وأن بقية المجتمع لا يملكون سوى القبول بهذا الامتياز. وهي فكرة تصطدم مباشرة مع مفهوم الدولة الحديثة التي لا تعرف سلالات حاكمة مقدسة، ولا تعترف إلا بشرعية القانون وإرادة المواطنين.
إن جوهر الدولة الحديثة يقوم على مبدأ بسيط: لا أحد يولد حاكما، ولا أحد يرث السلطة، ولا توجد جماعة فوق المجتمع. فالسلطة شأن بشري، مصدرها رضا الناس، وتبقى خاضعة للمحاسبة والمراجعة والتغيير. أما حين تُربط السلطة بالنسب أو الاصطفاء الديني، فإنها تتحول من مسؤولية عامة إلى امتياز مغلق، ومن خدمة للمجتمع إلى حق مفروض عليه.
المشكلة في المشروع الحوثي ليست في الدين بوصفه منظومة إيمانية وأخلاقية، فالدين جزء من وجدان المجتمعات، وإنما في تحويل التأويل الديني الخاص بجماعة معينة إلى قاعدة سياسية ملزمة للجميع. فحين تقدم جماعة قراءتها الخاصة باعتبارها الحقيقة الوحيدة، فإنها لا تعود تطلب المشاركة في إدارة الدولة، بل تسعى إلى احتكارها.
وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج تسييس الدين: منح السلطة حصانة لا تستحقها. فالحاكم الذي يستمد شرعيته من المواطنين يبقى خاضعا للنقد، أما الحاكم الذي يزعم أن شرعيته مستمدة من السماء فإنه يحاول نقل نفسه من دائرة السياسة إلى دائرة القداسة، بحيث يصبح الاعتراض عليه تشكيكا في الدين أو خروجا على الحق.
لقد استخدم الحوثيون خطابا يقوم على ثنائية مغلقة؛ فهم يقدمون مشروعهم باعتباره امتدادا للحق الإلهي، ويصورون خصومهم باعتبارهم خصوما للمشروع الديني لا مجرد منافسين سياسيين. وهذه الطريقة في التفكير تلغي مساحة الاختلاف، لأن الخلاف السياسي يصبح صراعا بين الإيمان والرفض، وبين الحق والباطل، وليس بين برامج ورؤى يمكن مناقشتها.
إن أخطر ما في الأفكار الشمولية أنها لا تكتفي بالسيطرة على مؤسسات الدولة، بل تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفقا لرؤيتها الخاصة. فهي لا تريد فقط إدارة السلطة، بل إعادة تعريف التاريخ والهوية والتعليم والإعلام بما ينسجم مع مشروعها. وعندما يحدث ذلك تتحول الدولة من إطار جامع لكل المواطنين إلى أداة لإنتاج فكر واحد وإقصاء ما عداه.
لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات لا تتقدم حين تعود إلى أفكار تجعل الإنسان تابعا لامتيازات وراثية أو طبقات مغلقة. فالتطور السياسي لم يكن نتيجة تمسك الجماعات بادعاءاتها المطلقة، بل نتيجة انتقال البشرية من حكم الامتياز إلى حكم القانون، ومن سلطة الأشخاص إلى سلطة المؤسسات.
إن اليمن لا يحتاج إلى إعادة إنتاج صراعات القرون الماضية، ولا إلى مشروع يعيد تقسيم أبنائه على أساس القرب أو البعد من السلطة. ما يحتاجه هو دولة يكون فيها اليمني مواطنا كاملا، لا تابعا لجماعة أو سلالة، ولا محكوما بفكرة أن هناك من يملك حقا خاصا في الحكم.
إن الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى سلطة سياسية تفرضه، كما أن الدين لا يحتاج إلى جماعة تحتكره حتى يبقى حاضرا في حياة الناس. وعندما يتحول المقدس إلى أداة للصراع على السلطة، فإن الضرر لا يقع على السياسة فقط، بل يمتد إلى صورة الدين نفسه، لأنه يصبح مرتبطا بممارسات بشرية قابلة للخطأ والصواب.
إن مواجهة المشاريع التي تقوم على احتكار الحقيقة ليست صراعا ضد الدين، بل دفاع عن حق المجتمع في أن تكون السلطة مسؤولية بشرية لا امتيازا مقدسا. فالردع أمام أي مشروع استبدادي لا يكون فقط بالقوة، بل أيضا بتحصين الوعي العام من الأفكار التي تمنح فئة حق السيطرة على الآخرين باسم الله.
ويبقى السؤال الحاسم: هل يمكن بناء دولة حديثة في ظل جماعة تعتقد أن شرعيتها لا تأتي من الناس، بل من تفويض إلهي خاص؟ إن من يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة سيجد صعوبة في قبول الشراكة، ومن يرى نفسه فوق المساءلة سيجد صعوبة في احترام الديمقراطية.
وهنا تبدأ الطريق إلى الاستبداد… ليس باسم القوة فقط، بل باسم القداسة، باسم الله!

