“صحيفة الثوري” – (ثقافة):
سعدي يوسف
منذُ أن غادرتْكِ الدلافينُ
أحسستُ أنَّ الطريقَ إلى حضرموتَ القريبةِ
أطولُ من لحظةِ النزع…
أيَّ الفُرَاتاتِ أختارُ
من بعدِ أن نَضبَ الفُلُّ من بئرِ ناصر؟
قد كان لي زورقٌ واحترقْ
كان لي منزلٌ لم أُغادرهُ حتى غرقْ
فلأقُلْ لا تزوري المضافةَ
حيثُ نثرنا الأراكَ
الأرائكَ
والدَّومَ والسيسبانَ الرزين
ولا تتركي في دمي اليودَ والملحَ
لا تتركي في لُهاث الرئةْ
بعضَ رملكِ
هذا الذي كنتُ أستفُّهُ زاحفًا تحتَ نارِ القذائفِ
تحت الرصاصِ الكثيف.
***
على رملِ ساحلِ أبْيَنَ
كنّا نودِّعُ راياتِ يعربَ
كنّا نودِّعُ نجمًا براياتِ يعربَ… أحمرَ
هل تعرفينَ الوداعْ
وهل تذكرينَ الوداعْ
وهل تذكرينَ عدنْ
يا عدن؟
***
هكذا قرَّرَ القادةُ/ الآلهةْ
هكذا يجدُ الماركسيُّ الحقيقةَ في النظريةِ لا في النظرْ
هكذا نتوهَّمُ أنَّ المطرْ
في سحابِ الكتابْ
هكذا لا نرى في السحابِ الزوابعَ
والرعدَ
والردَّ
والرِدَّةَ القادمةْ
هكذا لا نرى فاطمةْ
في عيونِ البُنيّاتِ من يافعٍ
(يافع والشّحر والقطن والحوطة وتريم وشبوة والحد ويهر ومكيراس والبريقة ومودية ودار سعد والمكلا وبئر علي والمهرة وزنجبار)
لا نرى اللحظةَ القائمةْ.
***
لمساجدِكِ المستكنّةِ كالأضرحةْ
لجنودِكِ في المذبحةْ
للميليشيا
للنساءِ يكفّنَّ بالصمتِ أبنائهنَّ
للوجوهِ التي نُحِتَ الحقدُ فيها
للبلادِ مبرّأةً من بنيها
لمياهِ القمرْ
للسلاحِ الذي حارَ حتى انتحرْ
لأغاني البعادْ
لجبالِ الحِدادْ
ولاسمكِ ذاك الجميل
لذكراهُ
للذاكرةْ
أمنحُ الدمعةَ العاثرةْ
كم حصارٍ سنشهدُ…
كم عدنٍ سوف ننسى
وكم مارِجٍ سوف يَخضِدُ قامتِنا النافرة…
***
وداعًا عدنْ
وداعًا عدنْ
وداعًا، وداعًا، وداعًا، عدنْ.
اللاذقية، 31/3/1986
قصيدة وداعا عدن من ديوان (خذ وردة الثلج، خذ القيروانية…)، المجلد الثاني من الأعمال الكاملة للشاعر سعدي يوسف.

