صحيفة الثوري – ثقافة:
ريان الشيباني
سَكَنَتْ في حياتي التي عشتها مقولتان رائعتان، متشابهتان في السياق، ومتباينتان في المعنى. أولهما قول الأستاذ عبدالله البردوني في بيت من قصيدة سندباد يمني في مقعد التحقيق:
قرأتُ كتابًا مرةً صرتُ بعدهُ، حمارًا حمارًا لا أعي حجمَ راكبي، والأخرى، للروائي التركي أورهان باموق، في مطلع روايته الحياة الجديدة، وتقول: قرأتُ كتابًا مرةً فغيَّر حياتي.
أعاد المقولتين إلى بالي، كتاب، عانيتُ منه ومعه أيما معاناة، كما لو أنَّ الكتب تُؤَلَّف فقط، للتسلية وتزجية الوقت. حشد من الكلمات والمعلومات في غير سياقها، وفقر شديد في مسائل الفرز والتصنيف، إلى جانب حالة من الكسل أمام الشخصيات المخترعة ومصيرها. صحيح، قد يكون الأستاذ البردوني، يشير إلى مستوى أعمق لوظيفة الكتب. أقصد تلك المكرسة لاستعباد الناس وجرَّهم إلى نوع من الوعي الزائف الغرض منه، تغييبهم عن مصالحهم، لكن هل سأل أحدنا نفسه عن تأثير الكتب الرديئة علينا نحن الذين نعيش في حالة تماس دائم مع الكلمات.
قبل سنوات، كان لدينا شاعرًا نبطيًّا يؤلف في السنة ما شاء له من الدواوين الشعرية، تدفعه إلى ذلك، مقدرته المالية على إصدار الكتب، وعدم العثور على فرصة، يُخبره فيها القدر أن طباعة الكتب لا تجلب الشعر والأدب بالضرورة. وفي كل مرة يُصدر فيها الشاعر أعمالًا جديدة، يَأتي إلى اتحاد الأدباء، ويقوم بتوزيعها على الموجودين.
للحق كان مشهد الكتب، مغلفة بالنيلون الشفاف، مشهي، لكن الإهداء يستدعي نزع هذا الغلاف لكتابة شيء في الصفحات الأولى. وفي كل مرة تتم هذه العملية، كان يتصدر المشهد، الشاعر المعروف نجيب الأصبحي، الذي درج على حياة التمرد والصعلكة، إذ يترجّى المؤلف ألا يقوم بنزع الأغلفة عن كتبه، فهو لا يريد إهداءً، بل يريدها هكذا جديدة في قراطيسها.
دارت الأيام، فسألتُ الأصبحي عن مغزى تصرفه هذا، ولم أتفاجأ من رده: هذه الدواوين الشعرية لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، على ما في طباعتها من فخامة، لذا أجد أن مصدر قوتها، غلاف النيلون الشفاف المحاط بها. هذا الغلاف يمكّنني من بيعها على أصحاب البسطات، بمبلغ معقول، كما لو أنها ذات قيمة بالفعل، ما يمنحني قيمة مبلغًا بسيطًا لشراء السجائر. تخيل، لو أنها فُتحت، هل كان باعة الكتب، سيقتنون مثل هذا الهراء، أو سيستطيعون بيعه، لو أنهم تجاوزوا فخ كونها مغلفة ولامعة؟! سَأل.
شاعرنا الأخير- وهو مُجِيد بالمناسبة- يرى صنيعهُ انتقامًا عادلًا بحق آخر رديء يكتب شعرًا نبطيًا في مدينة يمنية هامشية.
ماذا بشأن المقولة الأخرى، لباموك والتي تحمل النقيض من مقولة البردوني. يتذكر ماركيز أنه في عام 1959 في مدينة مكسيكو سيتي، أهداه صديقه المقرب، الكاتب والصحفي الكولومبي ألفارو موتيس، نسخة من رواية بيدرو بارامو للمكسيكي خوان رولفو، وقال له بحماس: “إقرأ هذه اللعنة!”. وبالرغم من أن ماركيز، يحاول في لقاء آخر، أن يعزو عالم الأساطير في أعماله، إلى تأثّره برواية المسخ لكافكا، والتي أسقطه تأثير جملتها الاستهلالية مصعوقًا من على سريره. لكن- لمن قرأ رولفو- يتعرف على سحر رائعته وتأثيره البالغ على ماركيز وعمله الشهير مائة عام من العزلة. فبعد أن رمى له بها صديقه الصحفي موتيس، لم تنتهي ليلته إلا وقد أكملها، ثم أعاد قراءتها مرة أخرى.
يشكل عالم ماركيز، واحدًا من أكثر فضاءات الخيال والكتابة ثراء، إلى درجة تصنيفه، واحد من أهم كتاب اللغة الأسبانية، وكثيرًا ما تٌذكر الكتب، عند حديثه عن تأثيت نفسه كأهم رواة القرن العشرين.
تعطيك مقابلات ماركيز إشارات إلى ثلاثة كتاب مخضرمين وثلاثة من كتبهم، هم التشيكي فرانز كافكا في روايته المسخ، والمكسيكي خوان رولفو في بيدرو بارامو والياباني ياسوناري كوباتا في الجميلات النائمات، باعتبارهم أثروا في حياته ونظرته للأدب.
فالأول فتح مداركه على كون الأدب يمكن أن يكون “غريبا ومفزعًا وساخرًا”، والآخر علمه أن “الأدب يمكن أن يكون مرعبًا بجماله” والأخير علمه أن “الأدب يمكن أن يجمع بين الرقة والشر، الأيروسية والرثاء، دون أن يسقط في الابتذال”.
من صفحة الكاتب على منصة “فيسبوك”

