آخر الأخبار

spot_img

هل هَدهَدتْكَ الكتبُ لتنام؟! .. الإنصات للأفكار بدلًا عن قراءتها

صحيفة الثوري – ثقافة وفكر:

ريان الشيباني:

هل جربت يومًا الاستماع إلى كتاب صوتي؟ قد تبدو هذه التجربة وليدة العهد للكثيرين، لأنهم لم يتجاوزوا بعد تجربة القراءة الورقية، لكن لأولئك الذين يطمحون خوض هذه المضمار، إليكم ما يمكن أن أقوله عنه.

كثيرًا ما أفضِّل الاستماع إلى الكتب الصوتية، في أوقات ما قبل النوم، لأنها ساعدتني كثيرًا، لجلب الاسترخاء، وحققت مقصدًا نفسيًا أراه مهمًا. يتحدث كتاب (لماذا ننام) لماثيو وُوكر عن حقيقة أن الإغفاء لا يتأتى إلا بمعادلة عكسية، أي أن المحاولات الواعية لاستجلابه، عادةً ما تقود المرء إلى نوع من الأرق، فيما تقوم محاولات استجلاب الصحو، بالهدهدة والاستغراق. يتم تحقيق هذا الأمر بوسائل عدة، لكن ما لم أكن واعيًا عليه، قبل هذا، هو أنه يمكن جلب النوم، بالاستماع الواعي إلى الكتب. فحين يشرع التسجيل في جهازك بقراءة محتوىً ما، تجد نفسك في الطرف الآخر، منشدهًا إلى الحكاية وراكضًا ورائها، وكلما حاولت مقاومة النعاس لتتبع الخيط المُنسل، وجدتَ نفسك- دون أن تشعر- مستغرقًا في الشخير. لكن، هل كل الكتب تقوم بهذه الوظيفة؟

كثيرًا ما تقع أذني على محتوىً غير مفهوم، أو على قارئٍ أو قارئة يفتقرون إما لمهارة الإلقاء أو للمهارات اللغوية والنحوية، ما يجعل تتبعهم ضربًا من العذاب، خاصة إذا امتهنتَ يومًا وظيفة محرر. فمثلًا وقعتُ على كتاب صوتي لرواية (الحارس في حقل الشوفان)، وعلى روعة النص مقروءًا وخفة ظله، حوّلتهُ قارئتهُ إلى نوع من التلوث السمعي، عوضًا عن المكساج السيء للتسجيل، الذي خرّب الإيقاع المنتظم للجُمل، وجعلها ثقيلة على النفس. هذا النوع من الإلقاء، قد يؤدي وظيفة عكسية، إذا كنت تعاني من الأرق المُزمن.

هناك أيضًا، معضلة أخرى، في الكتب الصوتية، خاصة الكبيرة منها. فلا يمكنك بأي حال الذهاب معها إلى النهاية، لأسباب بيولوجية، ومن ذلك أنه لا يمكنك قضاء الليل كله وأنت تستمع. ففي أسوء حالات نومك، تحتاج من ثلاث إلى أربع ساعات من الاستماع، ثم تجد نفسك وقد غرقت في أحلامك، وقد تصحو على جهاز هاتفك وهو لا يزال يثرثر فوق رأسك. إذن، أين توقفتُ مع هذا الكتاب؟ من الصعب العثور على آخر نقطة يمكنك استئناف الانطلاق منها في الليلة التالية. فطبيعة التسجيلات الصوتية، لا تتيح لك فرصة البحث عن نقطة النص التي انفصلت عنها، عوضًا عن كون آلية الذهاب في النوم، صُممت، لتأخذك خلسةً من أشيائك. أي بدون استئذان، أو اتاحة فرصة لك، لتعرف أين كُنت قبل ذلك.

هذه المعضلة، تشمل في كثير منها، وجود كتب صوتية مترجمة على نحو سيء، وكذلك تلك التي تعتمد سياقًا فكريًا طويلًا ومعقدًا يقتضي إعادة التمحيص، والتوقف- مرة أخرى- لفهم النص، وهذه مميزات، أن تقرأ كتابًا ورقيًا. لذا، دائمًا ما أتجنب مثل هذه التسجيلات، فيكفيك دقائقَ قليلةً لتكتشف صعوبة وقع الكتاب على روحك، أو إن الشرود إلى أحلام يقظتك، كافيًا لتنبيهك أن هذا الكتابَ مُمل. بالمناسبة، ليست كل الكتب المقروءة صوتيًا، مملة في واقعها الورقي والنصي. فكما أسلفتُ بأن هناك عوامل أخرى جديدة، قد تتدخل بينك وبين محتوى النص المسموع، ما يملي عليك وسائل جديدة في التقييم. فكثير من الكتب وجدت لتُقرأ لا لُتسمع، ولهذا، يجب أن نبدي رفضًا موضوعيًا وأحيانًا شكليًا، لبعض تدخلات تحويل الكتب من صيغها النصية، إلى تلك الأخرى المسموعة، فما نوعية الكتب التي أميل لها، عادةً؟

أولًا وقبل أي شيء آخر، كُتُب الرسائل. إن تحويل كتب الرسائل إلى محتوىً صوتيٍّ، يجعل منها جذابةً ومشوقةً، وباعثةً على المتابعة. لكن حتى هذا الأمر يجب أن يكون محكومًا بمعرفة مسبقة. على سبيل المثال، استمعتُ إلى رسائل فريدا كالو، الفنانة المكسيكية المعروفة، لأن فنها يسكُن في جزء خاص من شغفي، فأردتُ التعرف على المزيد. وهكذا، رَسمتْ لي هذه الرسائل مسار حياة، كنتُ على معرفة مسبقة به؛ نشأتها وزواجها بدييغو ريفييرا وغرامه بشقيقتها وعلاقتها الغرامية- هي الأخرى- بتروتسكي ونوعية الفن الذي تمارسه.

وما لم يفعله الكتاب الورقي، قدَّمَتهُ القراءة المسموعة للرسائل، في شكل تقمص القارئة لمشاعر كالو، وحساسيتها الصوتية تجاه ما تستدعيه المواقف من مشاعر الفرح والحزن، الدعابة والتهكم. لكن، إذا كُنتَ من النوع، الذي يتجنب المواقف النفسية المؤلمة أو تعيش حياتك على الحافة، فهذا النوع من الاستماع قد لا يناسبك، فهو مشحون بالألم والفجيعة والغضب والخيانة، والكثير الكثير من الديون المالية.

رسائل دوستويفسكي، ممتعة أيضًا، لكن لا أنصحك بها هي الأخرى، إذا كنت تعيش في بيئة أزمة. يقعُ الكتاب الصوتي لهذه الرسائل المنتقاة في جزئين وعدد مهول من الساعات. وعلى براعة قارئ الرسائل، في تمثُّل مشاعر المسكنة والذلة في حياة كاتب فقير معذب، تجد نفسك عالقًا في صراع بين إنسان وواقعه. كاتب واحد والكثير من المؤجرين وأصحاب الاستحقاق المالي، وعود مؤجلة ومخاوف من أن السجن قد يترتب على عدم الوفاء. اكتئاب ونوبات صرع وقمار، وملازم أعمال غير مكتملة. في بيئة مثل اليمن، يصيبك هذا المزاج بالتحفّز، والعدوى النفسية للطفر. وإذا قررتَ المخاطرة فلا بأس، لتذهب إلى أحلامك أو كوابيسك، وتترك هذا العظيم المنحوس يندب حظه بالقرب من رأسك، فأمامك أيامٌ وليالٍ طويلة من الاستماع. فقط كل ما يجب عليك، هو امتلاك رباطة جأش، وفضول، وحس بأن هذا الجدب ينتمي إلى فترة زمنية مقفرة، لا ترتبط بواقعنا على أية حال، وإن كانت تلامسه.

الخيار الآخر في كتب الاستماع، هو الروايات القصيرة. مع ذلك، لا أنصحك برواية صاحب الظل الطويل لجين وبيستر، فهي تفتقر للعقدة في الأحداث، وبدلًا من ذلك، اذهب مباشرة إلى النمساوي ستيفان زفايج. رواية قصيرة أخرى، سحرتُ بها أيما سحر، ولليالٍ عدة، وأنا أحاول اكتشاف ما وراء جمال البساطة فيها، من خلال تكرار استماعها. إنها الرواية الصينية زوجات ومحظيات للصيني سو تونج، التي دفعتني للتواصل مع مترجمتها المصرية، يارا المصري. لا يناهز وقت هذه الرواية، ثلاث ساعات، ولذا وبكل بساطة، يمكن أن تكملها في ليلة واحدة من الأرق المعتدل.

في مجال الشخصية العميقة، اختار كتاب الجلطة التي أنارت بصيرتي لجيل بولتي، وهو كتاب مذكرات لعالمة في قسم تشريح الدماغ. الكتاب على رعب عنوانه، يسافر بك في رحلة استكشاف جميلة داخل العقل البشري، واستكناه ممكناته. إنك داخل منظومة إدراك، لا تكتشف أهميتها إلا حين تمر بتجربة فقدانها. أيضًا، أوقعني الكتاب الصوتي في غرام الفص الأيمن من الدماغ، والذي من مهامه استقبال المعلومات، والنظر إليها بحياد، دون إعمال ملكة الحكم فيها.

هناك في القائمة، أيضًا، المذكرات. لقد انصتُ لمذكرات زوجة ولي العهد الإيراني السابق، فرح بهلوي. لكن احذر، قد يقودك الاستماع إليها، إلى حالة من التعاطف مع أسرة ملكية، وقعت في حبائل حبها للبذخ ومظاهر الاستعراض. لأنك ستجد نفسك في النهاية، أمام كائنة بشرية التقاها الشاه أثناء زيارته إلى فرنسا حيث تدرس، ومن ثم تعلق قلبه بها. حفلات الشاي، وأعياد الميلاد ومطاردات الصحافة الغربية، ثم؛ ثم يتداعى كل شيء، إلى درجة أنك تجد نفسك أمام أثرى العائلات المشرقية، وقد نبذها العالم خوفًا من انتقام النظام الثيوقراطي الجديد، ولذا صار وجودها عبئًا على كل الدول التي تستضيفها. محاولات الهرب إلى جزيرة معزولة، ومطاردة ماضيها لها. وعن عجوز، حزين ومنبوذ، ومُطارد، كان يومًا يُدعى ملك، وها هو يستجدي، للوصول إلى رعاية صحية تنقذه من أمراض السرطان والوحشة، والآلام الضاربة العميقة لمغادرة السلطة.

ليس هذا كل شيء بالنسبة لتجربة قصيرة في الإنصات الى ما تقوله الكتب. هناك تنامٍ واضحٍ وكبيرٍ وأحيانًا عشوائي، في الطرائق الصوتية لإعادة إنتاج المعرفة. لكن من تجربتي هذه، ليست كل الكتب معدة لُتسمع، وهذا ما لا ينتبه له منتجوها. إن دراسة التأثير الحقيقي لمثل هذه النصوص على قُرائها لا يزال غير منظور، ولم يُبت فيه بعد. لكنه على أية حال يستحق الدراسة، لإبراز النتائج التي من شأنها تطوير الكيفية التي يجب بها أن تقدم الكتب، وما الذي يجب أن يُسمع، وما الذي يجب أن يُقرأ، وما الذي لا يجب لكليهما؟!

6 فبراير 2025


* من صفحة الكاتب على “فيسبوك”

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img