صحيفة الثوري – ثقافة وفكر
د. أمين ثابت
كانت السواحل تجمع أصدافها المكسورة وتهرب نحو مجرى غامض، والمياه كانت قد فقدت ذاكرتها، وقررت أن تستبدل ملوحتها بندبة تمتد في جسد البحر — هناك، عند الضفة التي ضاق فيها الوعد.. حتى صار شقوقًا في جدار الوقت — كانت بقايا العشائر تصعد من رمادها مثل أعمدة دخان تبحث عن سقف، فيما المدن تنزع أسماءها القديمة وتعلقها على مشاجب الريح.
رفع رأسه فوق أريكة الشرق المثقلة بأحمال القرون، فاهتزت المآذن في مرايا الغبار، وانحل الوقت من المدن العتيقة — كعادتها الفضائيات تحمل نعشًا من الكلمات وصور الوهم وتوزعه على الجهات — كان وطنٌ عندها يتداعى بحاكمه المهووس من شرفته العالية، كحلم تنخره الرطوبة من الداخل، فتساقطت حوله الأعمار مثل أوراق مبللة، وغاصت الأسماء في وحل النسيان.
أرسل سلامه إلى النقوش التي قاومت العواصف، إلى الأبواب التي فُتحت على دهاليز أخرى، حيث تدلت من سقوفها سلاسل الصمت، فأصبح الوطن جسدَ خريطةٍ مملوءة بالكدمات، والروح نافذة ترتطم بها أسراب أشباح ليلية — فيعصف البكاء في المكان، حصار يمد أصابعه في الشوارع ويحصي أنفاس البيوت. طفل خرج حاملًا نقوده ليشتري اللبان، وعاد إلى أمه غيمةً من ثقوب — تدحرجت ضحكاته في الممرات، ثم انطفأت بين حذاء حامل بندقية وجدار متصدع، وعيناه بقيتا معلقتين في الهواء.
إلى متى تظل الحروب قدرًا علينا.. يا صاحب العرش الجالس خلف ستائر الغيب، نحن الذين أرهقتهم المرايا الكاذبة، الذين حملوا أوطانهم على ظهورهم كما يحمل المنفي قفصًا فارغًا، الذين شربوا الوجع حتى امتلأت عروقهم بالغبار، ورأوا الحقيقة عارية فغطوها بالأعلام والخطب والاحتفالات المؤقتة — كم مرة سنعيد تمثيل الخسارة ذاتها وتغرق الحقيقة في وحل النسيان؟
لقد سئمنا الأيام وهي تعبر فوق صدورنا ولا تتوقف، سئمنا الفراغ الذي يرتدي هيئة أرض ويطالبنا بالانتماء، ثم يبيع رجولته في المزادات المفتوحة، سئمنا الجهات التي تتكاثر حولنا.. كأفواه جائعة، والحدود التي تنبت كل صباح مثل أسلاك شائكة.

