آخر الأخبار

spot_img

لن يطول بقاءكم

صحيفة الثوري – ثقافة وفكر:

د. أمين ثابت

يمضي الزمن الطويل

ممتدًا كأفعى من رماد

يأكل المدائن حجرًا حجرًا،

يذر في الحناجر طمي إخراجاته الحارقة،

دماء تسيل في وضح النهار،

يقتل الطفولة بلعبة قنص ساذجة،

وفي ليل حزين يتناسل لكل ليلة،

لكل عقد من عمرنا الزائل،

ولا صوت يأتي خلف السراب،

خلف الدخان والغبار،

جزيرة من دمار،

مجزرة وراء مجزرة في مسمى الوطن،

وتقام العزائم في السر

على جثث الأنبياء

والبسطاء في نهب حقوقهم

ورميهم في العراء.

• أهذا الوطن الذي تغنينا باسمه،

سموًا في جنسنا البشري؟

• كم كنا أضحوكة،

مزقًا مهترئة في أيدي قوادين

.. محترفين.

• كنا أدركنا بأننا حالمين

بعد فوات الأوان.

• يا وطن الخراب،

يا مرآة الدم المراق،

يا صدى يتردد في الفراغ،

أي نشيد يليق بك،

أي قيثارة تنشد على أطلالك

أغنية من رماد

أو نواح عليك على أبواب المقابر؟

• نحن الذين حملنا أحلامنا

كأطفال في العراء،

نحن الذين صدقنا أن للسماء وعدًا،

فإذا الوعد سراب،

وإذا الأرض مقسومة بين الطغاة،

وإذا الدم مهر لعزائمهم،

وإذا الليل يطول بلا فجر،

.. كأن الشمس قد نُفيت إلى البعيد.

• لكننا رغم كل هذا السواد

نظل نكتب حتى على الجدار،

نصرخ في وجه الريح،

نزرع في الخراب بذور أغنية،

علها تزهر يومًا،

علها تعيد لوجه المدائن بهجتها،

علها تعيد للطفولة براءتها،

وللسماء تعيد وعدها.

• ها نحن نمد أيدينا للرماد،

نفتش عن بقايا نارنا القديمة،

عن حجر نقش السبئيين،

عن عمود ينهض من أطلال المعابد،

عن وعول أزهرت الجبال بحريتها،

وتلمع في العتمة همسًا على جدر قديمة

آلت للسقوط ولم تندثر،

لا تموت ولا تضيع على أرضها الدماء

والأغنيات.

• مهما طال التصحر،

وطال الارتحال في التغرب،

ستعود يومًا تسكن في الحناجر،

في محاجر العيون.

يا وطنًا، وإن جثم عليك الخراب،

يا أرضًا تتشقق تحت أقدامنا،

يا سماء تتساقط نجومها في غبار المدافع،

لن نكف عن الغناء،

عن الحلم،

عن كتابة نشيد جديد،

.. يولد من الرماد،

يخرج من بين الجثث،

يعلو فوق اللقاءات السرية للسادة العبيد،

يعلن أننا نحن البسطاء الوطن،

وأنه لن يظل متاعًا للناهبين،

ليس له أن يباع

أو يقسم بين أرذال البشر.

سيذوب عنا الليل الطويل،

مهما سكن الظلال تربصًا –

لا بد من طلوع فجر جديد.