صحيفة الثوري – ثقافة وفكر:
د. أمين أحمد ثابت
إثر حرب 1994م
تجرّني خطواتي الممزقة
كأنها سلاسل من زمن غابر
إلى أزقة تتنفس في ذاكرة صنعاء
أزقة تتشقق مثل حيود قديمة
وترتجف في خيال لا يهدأ
أهرب من نفسي
من حرب تتكاثر في صدري
كأشجار مسمومة
تغرس جذورها في العظام
المدينة تهرب مني
تتوارى بين مناخ الرعب الممزق
وبين ليل عابس
تفيض تجاعيده على المدى
وتتساقط ظلاله على جدران غرفتي البعيدة
والعروس تهرب
كانت أمي تحتار لمن تزفني
حين كانت الزغاريد تفتح أبواب المكان
حين كانت جبال الجنوب
تغازل حوريات الشمال
على إيقاع الدان الحضرمي
وكانت البحار تصبغ الوديان الراكضة إليها
كأنها دماءٌ من فرح قديم.
لكنها كانت تحتار لمن تزفني
حين كانت المدينة
تستقبل القاذفات
تسقط أجساد الغافلين في أنهار الدم
وتنهار فوقنا الشائعات
وتنهار طقوس التعبد الكاذبة
كأنني أسمع الأرض وهي تئن
كأنني أرى السماء وهي تنكمش
كأنني أرى أمي
تبحث عن عرس في الخراب
وتجدني وحيدًا
أحمل بين يديّ رمادًا
وأحاول أن أزرع فيه
أغنيةً لا تنطفئ
لكن الرماد يتكاثر
يتحوّل إلى غبار يملأ رئتي
وأرى المدينة ككائنٍ جريح
تتمدد على سرير من حجارة سوداء
تصرخ في وجهي
أنا لست مدينة، أنا جسد تفتّت
فاقدة أبناءها
حين عُجِنت الأسطورة بالحرب
وأخرج من بين الركام حوريات مشوهات
مصبوغة شعورهن بالدماء
ويغنين أغنية مكسورة
كأنها صلاة في معبد مهدوم
وأرى جبال الجنوب
تتحول إلى صدور من زجاج
وحوريات الشمال
يتساقطن كأوراق محترقة
وأرى البحار
تتدفق كأنهار جثث مجهولة
وفي الليل
حين ينهار كل شيء
أجلس في غرفتي البعيدة
أكتب على جدارها أسماء بلا معنى
أكتب على هوائها صرخات بلا صدى
وأسمع أمي من بعيد
تسألني… لمن تزف
أجيبها:
إلى مدينة تهرب مني
حرب لا تنتهي
إلى أسطورة لا تُروى

