صحيفة الثوري – كتابات
مراد حسن بليم ——————
لايوجد في التاريخ اسما واحدا بدّل مواقفه مع كل سلطه وانتهى بطلا,وفي المشهد السياسي والاجتماعي المعاصر، نشهد ظاهرة متكررة تثير الكثير من التساؤلات حول طبيعة النفس البشرية وصمودها الأخلاقي، ظاهرة”تجار المواقف”الذين يتخلون عن قيمهم ومبادئهم بمجرد أن تلوح في الأفق بوادر سلطة، أو مغانم مادية،أو مصالح شخصية ضيقة، هذا التحول الفج لا يمثل مجرد تغيير في الآراء،بل هو سقوط أخلاقي مدوٍّ يهدد تماسك المجتمعات وثقتها في النخب، وأخطر ما في هذه الظاهرة هو حالة “المرونة الانتهازية”التي يغلف بها هؤلاء تقلباتهم،فهم لا يعترفون بخيانتهم لأفكارهم القديمة، بل يعيدون إنتاجها تحت مسميات براقة مثل “الواقعية السياسية”، “الحنكة”،أو “مقتضيات المرحلة”،يسوقون الحجج والبراهين لتبرير قفزهم من مركب إلى مركب،مع الثورة ان كانت جسرا إلى المنصب،ومع الشرعية إن كانت مفتاحا للخزينة، ومع قضايا الناس إن كانت تذكرة للسفر إلى عواصم التمويل وضد الجميع إن تغيرت موازين القوة،يسجدون اليوم لما كفروا به أمس،ويكفرون غدا بما سجدوا له اليوم، ممارسين نوعا من التزييف الفكري الذي يستخف بوعي الجماهير، وينسى هؤلاء أن المبدأ لا يتجزأ،وأن القيمة التي تسقط عند أول اختبار منفعة لم تكن مبدأ في الأساس، بل كانت مجرد “شعار”مستعار لرفع السعر في سوق المزايدات.
ان الانتهازيون الذين يتنقلون بين المبادئ يسقطون من صيرورة التاريخ الحقيقي، لأنهم لا يتركون أثرا في عالم الأفكار، فهم مجرد “أعراض جانية”لتشوهات المراحل الانتقالية، فالانتهازي هو شخص يغيب عنه المبدأ وتتحكم فيه المصلحة، وهو لا يرى الناس ولا المواقف، بل يرى “فرصا”يحاول استغلالها دون أي اعتبار أخلاقي،وهذا التحول يخلق انفصالا حادا بين الوعي الداخلي والممارسة الخارجية فتصبح الذات مغتربة عن نفسها،ويعيش الفرد في حالة إنكار مستمر لحقيقته الأولى، مما يحول كينونته إلى مجرد “قناع”يتحرك وفقا لآليات السوق والمنفعة.
هذا التلون الحربائي للبعض لا يمر دون ثمن باهظ تدفعه المجتمعات، فعندما يرى الشباب والجيل الصاعد رموزا فكرية أو سياسية تتأرجح يمنة ويسرة تلبية لرغبات أصحاب النفوذ والقوة يصابون بصدمة قيمية تقودهم نحو السلبية والعدمية المطلقة فيفقدون الإيمان بجدوى النضال من أجل الإصلاح، وتترسخ قناعة خطيرة مفادها أن كل شيء معروض للبيع، وأن الشعارات المرفوعة ليست سوى أدوات للوصول إلى كراسي الحكم أو مراكز الثروة.
ان السلطة الآنية تمنح صاحبها وهما بالخلود والسيادة،لكنه خلود هش مرتهن ببقاء الكرسي أو المصلحة وبمجرد زوال المؤثر المادي،تنكشف الذات عارية من أي غطاء أخلاقي، ليدخل الفرد في حالة “موت رمزي” قبل موته البيولوجي،والانتهازي الذي يبيع مبادئه من أجل السلطة يظل دائما كائنا فاقدا للأمان،فهو يعلم في قرارة نفسه أن المقعد الذي جلس عليه بثمن بخس،يمكن أن يفقده إذا جاء من يقدم تنازلات أكبر،ذلك ان السلطة التي تُبنى على أنقاض القيم هي سلطة هشة،والتحالفات القائمة على المصالح المشتركة تنفضّ بمجرد جفاف منابع تلك المصالح، والتاريخ لا يرحم المتلونين، وإذا كانت المنافع الآنية تمنحهم مكاسب عابرة وأضواء مؤقتة، فإن الذاكرة الجمعية للشعوب تطردهم سريعا من سجلات الشرف.
إن التمسك بالمبدأ، رغم كلفته الوجودية الباهظة من إقصاء أو حرمان،هو الانتصار الوحيد الممكن للإنسان على حتمية الفناء،إنه الإعلان الصارخ عن أن الإنسان كائن متعالٍ على المادة، قادر على قول “لا” في وجه الإغراء، ليثبت أنه سيد مصيره وليس عبدا للضرورة،والتاريخ له ذاكرة لا تنسى،ومزبلة لا ترحم،إذ لا يوجد في التاريخ اسما واحد بدّل مواقفه مع كل سلطة وانتهى بطلا،كلهم انتهوا منبوذين، محتقرين، حتى من السادة الذين اشتروهم، لأن من يخون مبدأه اليوم،سيخون سيده غدا.

