“صحيفة الثوري” – (رأي):
مراد حسن بليم
تأتي استعادة سيادة الدولة كحجر الزاوية الذي لا مناص منه لأي حديث جاد عن مستقبل الاستقرار في اليمن ومحيطه الإقليمي والدولي. وقد أثبتت سنوات الصراع المعقدة حقيقةً استراتيجيةً ثابتةً مفادها أن السعي لتحقيق السلام عبر مراهنات غير محسوبة على تغيير سلوك مليشيات الحوثي هو محض إهدار للوقت، وتمديد لأمد المعاناة الإنسانية. ذلك أن هذه الجماعة، بطبيعتها البنيوية وأيديولوجيتها المغلقة، لا ترى في المسارات السياسية والتفاوضية سوى أداة تكتيكية للمناورة وكسب الوقت، متخذةً من منطق السلاح وسيلةً حصريةً لفرض الأمر الواقع على حساب تطلعات اليمنيين شمالًا وجنوبًا في بناء دولة المواطنة والمؤسسات.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه تحقيق هذا الهدف السامي لا يقتصر فقط على طبيعة المشروع الحوثي، بل يكمن في العقبة الداخلية المتمثلة في حالة التشتت والارتباك التي تعتري المعسكر المناهض للانقلاب. فبدلًا من أن تشكل القوى الوطنية والسياسية جبهةً صلبةً وموحدةً تضع استعادة الدولة في مقدمة أولوياتها، أدى طغيان الأجندات الضيقة، والحسابات الحزبية والمناطقية، إلى تبعثر الجهود وهدر الطاقات في صراعات جانبية عقيمة. وهو تشرذم لا يضعف المعسكر الوطني فحسب، بل يقدم للانقلابيين ثغرات استراتيجية مجانية للاستمرار في مشروعهم وتثبيت نفوذهم.
إن التعاطي مع المرحلة الراهنة بآليات أثبتت فشلها، أو الاعتماد على تفاهمات هشة وأنصاف حلول، لم يعد خيارًا مقبولًا في ظل التآكل المستمر لمؤسسات الدولة. وإن تجاوز هذا الانسداد السياسي يفرض استحقاقًا تاريخيًا يستدعي شجاعةً وإرادةً سياسيةً استثنائيةً لتجاوز ما تراكم من ترسبات، وتجسير الفجوات بين مختلف القوى الوطنية المناهضة للانقلاب. والمطلوب اليوم ليس مجرد توافقات شكلية تُدار بها الخلافات، بل إعادة هيكلة حقيقية للشرعية، وصياغة عقيدة استراتيجية جامعة تتوحد تحت مظلتها كافة الجهود العسكرية والسياسية والإعلامية.
إن اليمن يمر اليوم بفرصة تاريخية قد تكون الأخيرة لإعادة ترتيب البيت الداخلي. وبدون إيجاد رؤية استراتيجية ملهمة تتسامى فوق المصالح الفئوية الضيقة، وتضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار، ستظل طاقات اليمنيين المناهضين للانقلاب تتبدد، وستبقى غاية استعادة الدولة حبيسة التمنيات والبيانات الإعلامية، بينما يستمر الوطن في الانزلاق نحو مزيد من التمزق والارتهان.

