صحيفة الثوري- كتابات
كتب / ٲمين الجبر
لا يصنع التاريخَ المنتصرون وحدهم، ولا تكتبه الأيديولوجيات بمفردها، وإنما تصنعه أيضًا الشخصيات التي تتجاوز حدود زمانها، فتغدو جزءًا من الذاكرة الوطنية، بما لها وما عليها ، ولهذا فإن الإنصاف التاريخي يقتضي أن ننظر إلى الرموز السياسية بعين الباحث، لا بعين الخصومة أو الولاء، وأن نقرأ تجاربهم في سياقاتها التاريخية، لا بمنطق الأحكام المسبقة.
ومن بين تلك الشخصيات التي تركت أثرًا عميقًا في التاريخ اليمني الحديث، يبرز اسم عبدالفتاح إسماعيل بوصفه أحد أبرز قادة الحركة الوطنية في جنوب اليمن، وأحد أهم منظري الثورة اليمنية المعاصرة، وأحد الوجوه التي ارتبط اسمها بالكفاح ضد الاستعمار البريطاني، ثم ببناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال.
لقد كان عبدالفتاح إسماعيل من القيادات التي آمنت بأن التحرر الوطني ليس مجرد خروج للمستعمر من الأرض، وإنما مشروع متكامل لإعادة بناء الإنسان والدولة والمجتمع. ولذلك لم يكن الاستقلال بالنسبة إليه غاية نهائية، بل بداية لمشروع سياسي واجتماعي وثقافي واسع، يقوم على تحديث مؤسسات الدولة، ونشر التعليم، ومحاربة الأمية، وتعزيز قيم المساواة والعدالة الاجتماعية.
ومهما اختلفت الآراء حول خياراته السياسية أو الأيديولوجية، فإن أحد أبرز وجوه تميزه يتمثل في كونه الرئيس المثقف، أو ما يمكن وصفه – وفقًا لمفهوم المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي – بـالمثقف العضوي؛ ذلك المثقف الذي لا يكتفي بإنتاج المعرفة، وإنما يجعل منها أداة للتغيير الاجتماعي، ويربط الفكر بالفعل، والثقافة بالنضال، والوعي بالممارسة السياسية.
ولم تكن هذه الصفة ادعاءً نظريًا، بل تجلت في إنتاجه الفكري والأدبي، وفي مقدمة ذلك ديوانه الشعري «نجمة تقود البحر»، الذي كشف عن شخصية تجمع بين الحس الإبداعي والرؤية السياسية، وتؤمن بأن الكلمة قادرة على أن تؤدي دورًا لا يقل أهمية عن البندقية في صناعة الوعي الوطني.
لقد كان عبدالفتاح إسماعيل يؤمن بأن الثورة الحقيقية تبدأ من العقل، وأن تحرير الأرض لا يكتمل إلا بتحرير الإنسان من الجهل والتخلف والتمييز والاستبداد. ومن هنا انشغل بالتثقيف السياسي، وبناء الكوادر، وصياغة مشروع فكري يسعى إلى إحداث تحول جذري في المجتمع، حتى وإن اختلف الكثيرون مع أدواته أو مع بعض نتائج تجربته.
ولا يمكن الحديث عن عبدالفتاح إسماعيل بمعزل عن مرحلة كانت من أكثر مراحل اليمن الجنوبي تعقيدًا، فقد شهدت تجربته نجاحات وإخفاقات، وإنجازات وصراعات، وهي سمات تكاد ترافق معظم التجارب الثورية في العالم. ومن ثم فإن تقييم تلك المرحلة ينبغي أن يتم بروح المؤرخ، الذي يزن الوقائع بميزان التاريخ، لا بميزان الانفعال السياسي.
لقد كان أحد أبرز مهندسي المشروع الوطني في جنوب اليمن، وأحد العقول التي أسهمت في ترسيخ فكرة الدولة بعد الاستقلال، كما كان من أكثر القادة العرب اهتمامًا بالثقافة والفكر، وهي سمة نادرة في محيط عربي طغت فيه النزعة العسكرية على كثير من القيادات السياسية.
وفي ذكرى رحيله، فإن استحضار سيرته لا يعني التسليم بكل ما انتهت إليه تجربته، كما لا يعني تجاهل ما ارتبط بها من جدل، وإنما يعني الاعتراف بأن الرجل كان رقمًا صعبًا في التاريخ اليمني، وأن أثره السياسي والفكري لا يزال حاضرًا في النقاشات الأكاديمية والسياسية حتى اليوم.
فالرجال الكبار لا يُقاسون بعدد سنوات حكمهم، وإنما بعمق الأثر الذي يتركونه في تاريخ أوطانهم، وبقدرتهم على إثارة الأسئلة الكبرى في حاضر الأمة ومستقبلها. وعبدالفتاح إسماعيل، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا، يبقى واحدًا من أبرز أولئك الرجال الذين لا يمكن تجاوزهم عند قراءة تاريخ اليمن الحديث.
رحم الله عبدالفتاح إسماعيل، ورحم جميع شهداء الحركة الوطنية اليمنية، وجعل من دراسة التاريخ سبيلًا للإنصاف، لا وسيلةً لإحياء الخصومات أو تكريس الانقسامات.

