“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ محمد علي قحطان *
اتسمت السلطة السياسية المعترف بها دولياً، منذ بداية الحرب في عام 2015 وخروج الرئيس المنتخب عبدربه منصور هادي من صنعاء إلى عدن ثم إلى الرياض، بعدم الاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن أو في أي جزء من أراضي الدولة داخل اليمن. إذ إن القيادات السياسية العليا ومركز اتخاذ القرارات السياسية بقيت في الرياض منذ ذلك الحين وحتى وقتنا الحاضر، فقد اتخذت من الرياض مقراً دائماً لها، الأمر الذي أدى إلى عدم القدرة على مواجهة ظروف الحرب الداخلية القائمة، وكذا عدم القدرة على استعادة مؤسسات الدولة. وبالتالي تشكّلت مكونات عسكرية عديدة، مختلفة ومتضاربة في أجنداتها، وترتهن للخارج.
وفي عام 2022 تم تشكيل مجلس القيادة الرئاسي بهدف توحيد المكونات العسكرية والأمنية وأطر الدولة لتعمل تحت قيادة واحدة، إلا أن ذلك لم يحصل. كما تعاقبت ثلاث حكومات، وكلها عجزت عن إعادة بناء مؤسسات الدولة، ولم يتمكن مجلس القيادة الرئاسي من توحيد مكوناته العسكرية والأمنية. ويشير ذلك إلى الدلالات التالية:
• أن مراكز نفوذ المكونات العسكرية بنت لها نفوذاً وسلطات محلية خاصة بها خارج إطار الدولة، وبالتالي فإن الموارد المالية للدولة قد توزعت بين مراكز تلك المكونات، وتُبنى من خلالها سلطات ونفوذ بتلك الموارد المالية، وترفض تنفيذ قرارات وتوجيهات السلطة السياسية التي يقف على رأسها رئيس مجلس القيادة الرئاسي. ومع مرور السنوات وتراجع الدعم الإقليمي والدولي، تفاقم عجز حكومات الشرعية المتعاقبة في مواجهة التزاماتها المالية، وبقيت تعتمد في ذلك إما على إصدارات نقدية جديدة أو منح ومساعدات من دول الإقليم الداعمة للشرعية، الأمر الذي فاقم التضخم والكساد ومعاناة المواطنين.
• انهيار الوضع الاقتصادي والإنساني، وتفاقم الأزمات في مختلف المجالات (السياسية، العسكرية، الأمنية، الكهرباء، المياه، الخدمات الصحية… إلخ)، مع عجز تام في استغلال ما هو متاح من الثروات والموارد الاقتصادية الواقعة تحت سيطرة الشرعية، وهي كثيرة ومتعددة.
• تراجع حماس المجتمع الإقليمي والدولي في دعم الشرعية، كونها شكّلت عبئاً عليهم، وتؤكد عدم اقتدارها على أن تكون شريكاً فاعلاً لاستعادة مؤسسات الدولة ومواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني وتسيير عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. وبالتالي، لوحظ مؤخراً أن تكتل الدول العربية الداعمة للشرعية بقيادة السعودية تفاوض سلطة الأمر الواقع في صنعاء، متجاهلة قيادات السلطة الشرعية، في محاولة لإيجاد شريك فاعل يمكن من خلاله وضع نهاية للحرب وتحقيق السلام والتخلص من العبء الذي صارت تشكّله قيادات السلطة الشرعية التي تدعمها.
وكل ذلك قد بدّد ركائز بناء الدولة ومؤسساتها، وأفضى إلى جملة من الآثار والتحديات، أهمها:
1) إطالة فترة الحرب وتعميق النزاعات على السلطة والثروة، إذ ترفض المكونات التي يمثلها أعضاء مجلس القيادة الرئاسي العمل بقرارات وتوجيهات المجلس الذي هم أعضاء فيه. ومن أهم تلك القرارات وما تبعها من توجيهات: قرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11) لعام 2025 بشأن الإصلاحات الاقتصادية، والتي أبرزها إقفال الحسابات الخاصة وتوريد الإيرادات العامة للدولة من كافة الأوعية الإيرادية إلى خزينة الدولة (البنك المركزي وفروعه في المحافظات)، بحيث تلتزم المحافظات بالعمل بالقانون المالي المنظم لآليات تدفق الإيرادات من مصادرها الثلاثة (المحلية، المشتركة، والمركزية)، وإنفاقها حسب السلطات المخولة لمستويات الهيكل التنظيمي لجهاز الدولة (المديريات، المحافظات، الحكومة). حيث تتوقف سلطة المديرية عند التصرف بإنفاق الإيرادات المحلية، وسلطة المحافظة عند التصرف بإنفاق الإيرادات المشتركة، وسلطة الحكومة عند التصرف بإنفاق الإيرادات المركزية، حسب قانون الموازنة العامة للدولة. إلا أن الحكومات المتعاقبة، وفي الوقت الذي تقف عاجزة عن إلزام الأوعية الإيرادية بتوريد الإيرادات العامة إلى خزينة الدولة في البنك المركزي، تعجز كذلك عن إعداد موازنة عامة للدولة وإقرارها والالتزام بتنفيذها.
2) تعميق انفلات مؤسسات الدولة، بما فيها المحافظات التي تقع تحت سيطرة السلطة الشرعية، إذ برز خلال سنوات الحرب هوامير من تجار الحرب يسيطرون على الأوعية الإيرادية في المحافظات، وصار لهم نفوذ يتجاوز السلطات المركزية من خلال الثروات والنفوذ الواقع تحت سيطرتهم، الأمر الذي جعل قرارات وتوجيهات مجلس القيادة الرئاسي حِبراً على ورق، بالرغم من كثرة الاجتماعات والتوجيهات المركزية والمحلية التي تشير ظاهرياً إلى المتابعة، لكنها غير فعّالة.
3) استنزاف الموارد المالية للدولة بصورة عبثية على حساب معاناة المواطنين.
4) المزيد من الارتهان للخارج، وبالتالي تبدو قيادات السلطة الشرعية مسلوبة الإرادة، غير قادرة على التأثير، الأمر الذي يضعف ثقة المواطنين والمجتمعين الإقليمي والدولي بها.
5) صعوبة خلق استقرار أمني ومواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني.
6) اضمحلال قيم الدولة ومرتكزاتها، وبالتالي زيادة تجاهل قرارات وتوجيهات السلطة العليا، إذ لم يتعرض أحد للمساءلة والمحاسبة من الرافضين لتنفيذ تلك القرارات.
7) تراجع حاد فيما تبقى من احترام المجتمعين الإقليمي والدولي، بسبب رخاوة سلطات الدولة وعجزها عن مواجهة التحديات التي تواجه الدولة ومواطنيها على المستويين المركزي والمحلي.
• انهيار قيم الدولة المتلازم مع تعميق مظاهر الفساد والمحسوبية، إذ تعجز الحكومة عن تقديم أي فاسد للعدالة، كما تُدار مؤسسات الدولة بالمحسوبية والمجاملة وكسب الولاءات، مع تجاهل تام للقوانين واللوائح والأنظمة سارية المفعول.
كل ذلك أدى إلى تفاقم الصراع السياسي على السلطة والثروة، وترحيل القضية الأساسية المتمثلة بوضع نهاية للحرب واستعادة الدولة ومؤسساتها، وبالتالي تعاظم الانهيار الاقتصادي والإنساني والمزيد من الأزمات، آخرها أزمة السيولة النقدية للريال اليمني بطبعته الجديدة، بالرغم من الضجيج الإعلامي لتغطية الاجتماعات التي يعقدها رئيس مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ومحافظو المحافظات وغيرهم من قيادات السلطات العليا في مؤسسات الدولة.
وبناءً على ذلك، لوحظ مؤخراً تواصل سعودي مع الحوثيين بهدف التوصل إلى تسوية سياسية، كما يُثار في بعض وسائل الإعلام.
ويشير ذلك إلى أن السلطة الشرعية صارت أمام خيارين: إما الحضور الكامل في الواقع ووضع نهاية للبقاء في الخارج، مع كمٍّ كبير من منتسبي مؤسسات الدولة، ومواجهة الأزمات التي تفتك بحياة الناس والقيام بمسؤولياتها كقيادة شرعية للدولة معترف بها دولياً؛ أو سيتم تجاوزها بترتيب أوضاع جديدة بدأت تظهر من خلال التحركات السعودية الأخيرة.
* أستاذ الاقتصاد، جامعة تعز

