“صحيفة الثوري” – (ثقافة):
أ.د/ محمد فاضل الفقيه
في الثامن من يوليو 1972، توقفت نبضات أحد أكثر العقول الفلسطينية توقداً، حين اغتالت يد الغدر في بيروت الأديب والمناضل غسان كنفاني. رحل غسان وهو في السادسة والثلاثين، لكنه ترك خلفه أسئلةً لا تجيب عنها إلا القلوب التي ذاقت مرارة النفي وعمق الانتماء. لم يكن كنفاني مجرد كاتب سياسي، بل كان فيلسوفاً للمشاعر الإنسانية المعقدة. وفي ذكراه نستحضر تلك “الطبيعة الخاصة” للحب التي جمعته بالكاتبة غادة السمان؛ ذلك الحب الذي نشأ في عتمة اللجوء، ورغم القيود الاجتماعية، ليكون تجسيداً لرمزية مزدوجة: الأرض حين تتجسد في امرأة، والمرأة حين تصبح وطناً.
كان غسان يبحث في رسائله إلى غادة عن ملامح يافا وحيفا، وكأنه يرى في المحبوبة ملاذاً أخيراً من شتات الهوية. حين كتب لها: “إنني أعود إليكِ كما يعود اليتيم إلى ملجئه الوحيد.. أعطيكِ وجهي الضائع، وتعطينني أنتِ ملامح وطني”.
هذا النداء الوجداني يعيدنا، بالضرورة، إلى صرخته الروائية الخالدة في “رجال في الشمس”، حين وضعنا أمام مأساة الفلسطينيين الذين قضوا اختناقاً داخل خزان مياه، لينهي مشهدهم بسؤال مرير: “لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟”.
إن “دق الجدران” عند غسان هو مانيفستو فلسفي يرفض الموت الصامت، وهو ما يدفعنا اليوم إلى تسجيل وقفة احتجاج، واسترداد روح القضية. ففي زمن غسان، كان الحب والوطن توأمين في طهارتهما، أما اليوم فقد فُصلت القضية عن سياقها الإنساني، وتحولت لدى البعض إلى “سلعة” يتاجر بها المتاجرون على موائد المصالح. إن هذا الاغتراب الوجداني، وتحويل الانتماء إلى أداة للمزايدة، هو العائق الأكبر أمام التحرير.
فالمتاجرة تبدأ حين يتوقف القلب عن الشعور بوجع الأرض؛ لذا فإننا ندق اليوم جدار الخزان من جديد، لنؤكد أن الأرض التي لا تُحب بعمق لا يمكن أن تُحرر بصدق، وأن التحرير يبدأ من استعادة تلك الطهارة الكنفانية التي تجعل من الوطن حباً لا يقبل المساومة.
هوامش:
• رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان: تُعد هذه الرسائل وثيقة أدبية سوسيولوجية، تكشف عن تحولات الهوية الفلسطينية في المنفى، حيث يتم استحضار “الوطن المتخيل” من خلال العاطفة الإنسانية.
• رمزية الخزان: في رواية “رجال في الشمس” (1963)، يمثل الخزان حالة الحصار الوجودي والسياسي، وتُعد صرخة “لماذا لم يدقوا الجدران؟” دعوةً للفعل الثوري ورفض الاستلاب.
• مفهوم التسليع: إشارة إلى تحول القضايا النضالية إلى قيم تبادلية نفعية في الخطاب المعاصر، مما يؤدي إلى اغتراب الإنسان عن قضيته الجوهرية.

