آخر الأخبار

spot_img

عمق الأزمة اليمنية في حضرموت والمهرة

صحيفة الثوري-كتابات: 

وضاح اليمن الحريري

تأخذ الأزمة اليمنية الحالية أكثر من بُعد سياسي أو عسكري، كما إنها ليست مسألة أرض يتم استعادتها أو منطقة نفوذ بهذا الشكل أو ذاك، إنها تمثل أزمة تحمل في مظاهرها تصدعات المشروع الدولاتي لمنظومة الفكر السياسي العربي وأمنه القومي ببعده الجيوسياسي وهو في طور التفكيك وإعادة التشكل، حقله في اليمن هو أحد النماذج للتفكيك المباشر، بخلق أسباب كافية لتطبيقه، تعود إلى سوء الإدارة وإخفاقات التنمية والتقدم في ظروف سابقة.

نعني بالأزمة اليمنية في حضرموت والمهرة، تصرّف الانتقالي الجنوبي منفرداً بدخول قواته إلى تلك المحافظتين والسيطرة على أراضيهما، متخذاً أكثر من مبرر لذلك الفعل، غير مكترث بالتبعات اللاحقة وفيما قد تسفر عنه، في محاولة لفرض واقع عسكري جديد فيهما. هنا تكون المسألة واضحة في أن الانتقالي الجنوبي اتخذ قراره، مرتجلاً أو متأنياً، في التصعيد تجاه الشرعية التي يمثل في نفس الوقت أحد مكوناتها، مما يعني إنه لم يكن ينظر يوماً لنفسه ولقواته إلا باعتبارهما جزءاً مؤقتاً في بنية الشرعية، لإرضاء أطراف من دول التحالف.

تقف في الضفة الأخرى من مجرى الأزمة واندفاعها، بقية مؤسسة الشرعية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي، الذي يستند هو الآخر إلى تحالفات سياسية وعسكرية حاضرة محلياً وإقليمياً، ترى في السلوك المنفرد للانتقالي اعتداءً صارخاً على مرجعيات تم التوافق عليها مسبقاً، أهمها اتفاق الرياض وإعلان نقل السلطة. لكن حتى هذا التحالف يقف أيضاً في خانته قوى تتفاوت في مدى لؤمها السياسي واستعدادها العسكري لتفجير الموقف عسكرياً، في انتظار الإشارة لذلك.

يجب أن يُنظر إلى الأزمة في شقها السياسي، لنزع فتيل الاشتعال وتنفيسها، في الاتجاه الذي ينفّس من تصاعد التوتر، بعد أن تفاقمت عملية الاحتشاد عند المجموعتين، لأن الأزمة وأبعادها لا تعني الانتقالي الجنوبي وحده ولا تعني مؤسسة الشرعية وحدها، كي يتصرفا كما يشاءان، لكنها تمس وبقوة حسابات إقليمية لها وزنها وثقلها، كحسابات المملكة السعودية، بل والأهم من هذا، إنها تمس وبعمق فرص الاستقرار والعيش الآمن للناس في كامل الاتساع الجغرافي والأمني لليمن على أقل تقدير، مما يمثل رهانات غير محسوبة العواقب بدقة، على اعتبار أن الأمر الواقع سيفرض نفسه دون تحديات فعلية، رغم أن خيار الحسم بطريقة صلبة يعلن عنه وما زال قائماً.

سيذهب المختلفون حول الأزمة والمتفاوتون في تقديرها إلى تقديرات غير صحيحة بالمرة، إذا ظنوا إنها ستمر مروراً عابراً، على حقول النفط وموارد الثروة في شرق اليمن، مع العلم أن هذه الموارد هي فقط المرئية في الأفق، بينما ما خفي قد يكون أعظم، بالتالي فإن خيار الانتقالي الجنوبي وخيار مؤسسة الشرعية لا يمثلانهما وحدهما، لكن أيضاً يمثلان حسابات أخرى ذات ارتباط شديد الأهمية، بما سيجر خلفه من التبعات والتبدلات في القرارات والمواقف، بانعكاس كل ذلك على المواطنين اليمنيين جنوباً وشمالاً بالدرجة الأولى.

لن أقول هنا إن علينا بالحكمة اليمانية، لأنها مفقودة في هذه اللحظة على أية حال، لن أقول إن علينا بالدم لأنه لغة الأبطال الذين يذهبون سدى من أجل تغيير التوازنات على أرض الواقع، سأقول إن علينا بالسياسة والمزيد من السياسة الحصيفة والمسؤولة، عند التعامل مع هذه المستويات العالية من الأزمة.

تصرّف الانتقالي الجنوبي منفرداً، فاقداً لصبره وبانياً لخياراته مستنداً على حسابات الغير وتقديرهم للموقف، بينما تتصرف مؤسسة الشرعية خارج احتواء الموقف وطنياً نتيجة تشتتها وبعثرتها المرئية، المبنية على عدم قدرتها على اتخاذ القرارات في وقتها المناسب، عاجزة عن تفعيل المرجعيات المتفق عليها. المملكة أيضاً تتصرف بالاستناد إلى المعركة السياسية التي تخوضها على المستوى الإقليمي ووفق مصالحها، بغض النظر عن التبعات فيما سيعانيه المواطنون. إذن، من يخيف من في هذه الأزمة الشرسة وغيومها تتجمع على رؤوس اليمنيين وتتفاقم جنوباً وشمالاً؟

سيمضي الوقت دون قرارات، لن يتمكن الانتقالي الجنوبي من إعلان دولته، وإذا أعلنها سيحمل الناس ما لا طاقة لهم به وسيكتفي بالبقاء على الأرض، لن تتمكن مؤسسة الشرعية إلا بالبقاء كضيف دائم الإقامة في الرياض حتى إشعار آخر، لن تتمكن المملكة من اتخاذ قرارات صعبة بسهولة ولها أن تحتفظ بمصالحها، لن يتمكن المشاغبون الإقليميون من إنهاء الحصة دون درس وسيجبرون على البقاء على مقاعدهم كأشقياء.. السياسة ومزيداً من السياسة هي الحل المؤثر حالياً.. علينا إذا بدأ الحوار أن نمضي فيه حتى آخره وله مساراته وأوعيته وإجراءاته، وإذا لم يبدأ فلابد أن ينطلق فوراً.. ودمتم.