صحيفة الثوري – (رأي)
إسماعيل الصنوي
في تاريخ المدن المحاصرة ثمة حقيقة تتجاوز الجغرافيا وتتخطى الحسابات العسكرية؛ فالحصار لا يُقاس بمقدار الطرق المغلقة وزخم القذائف، بل بجوهره الوجداني وما يحاوله من كسر المعنى داخل الإنسان. إن كل حصار مديد يراهن، في عمقه، على إنهاك الإرادة قبل اقتحام الأسوار، وعلى دفع المجتمع إلى لحظة يرى فيها التنازل عن حقوقه أقل كلفة من الاستمرار في الذود عنها، حتى يغدو ما عجزت الآلة الحربية عن انتزاعه قهراً، ممكناً بفعل اليأس والحاجة والاعتياد. ولم يكن هذا الرهان بدعاً في تاريخ الحروب؛ فمن مدريد عام 1936 التي واجهت تمهيداً لكسر نظامها الجمهوري، إلى سراييفو في تسعينيات القرن الماضي التي كابدت القنص والحرمان لحماية رمق حياتها المدنية والثقافية، تتأكد الحقيقة ذاتها: المدن في المنعطفات التاريخية الكبرى تلتهم حدودها الضيقة، لتتحول إلى ميادين تتصارع فيها القوة العارية مع إرادة المجتمعات، ويغدو صمود الإنسان فيها قضية تتجاوز مصيره الفردي. وفي تعز اليوم تتجلى هذه المفارقة بصورتها الأبهى؛ فهي حاضرة لا تستمد ثقلها من جرح الحصار فحسب، بل من كونها جدار الصد الأول ضد مشروع الارتداد الكهنوتي الذي يحاول محاصرة الوعي اليمني بأكمله.
إن الطوق الذي يلف تعز اليوم لا يمكن أن نصفه بأنه مجرد تكتيك عسكري في حرب أهلية، بل هو تجسيد لواقع ارتدادي مرير يحاول بعث نظام الإمامة من مرقده القديم تحت لافتات الاصطفاء الإلهي والحق السلالي المزعوم في الحكم. ومنذ المخاضات الأولى لثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، ارتبطت تعز بالحراك الفكري والسياسي الطليعي الذي سعى لنقل اليمن من وهدة الحكم الوراثي المتدثر بالدين إلى آفاق الدولة الحديثة؛ حيث لا يكون الحكم امتيازاً للنسب، ولا السيادة حكراً على عائلة أو جماعة، بل شأناً عاماً منبثقاً من إرادة الشعب والمواطنة المتساوية. من هنا تحديداً يكتسب صمود تعز أبعاده الأكثر عمقاً، ليرتفع من الدفاع عن تخوم زقاق أو موقع عسكري، إلى الذود عن فكرة الدولة ذاتها في وجه الإماميّين الجدد. الدولة بوصفها بناءً قانونياً وأخلاقياً يخضع القوة للحق، ويضمن للإنسان كرامته بصرف النظر عن أرومته أو مذهبه، في مقابل سلطة غاشمة تتصرف باعتبارها فوق المساءلة، وتجعل من فوهات البنادق أو دعاوى الحق الإلهي مصدراً للحق والشرعية.
غير أن التحدي لا يأتي دائماً من خارج الأسوار؛ إذ تراهن القوى المحاصِرة على اختراق الداخل عبر طابور خامس يستثمر في عذابات المجتمع، أو واهمين يعتقدون أن التزلف للقوة الغالبة سيضمن لهم مكاناً في النظام الجديد، غافلين عن أن غياب القانون سيحرمهم أنفسهم من الضمانة الوحيدة التي تحمي حقوقهم. بيد أن إنصاف التاريخ يملي علينا الحكمة لتفكيك هذا المشهد؛ فبين العجز والتواطؤ برزخ واسع، وليس كل من ضعف خائناً، ولا كل من لزم الصمت متواطئاً. المدن المحاصرة مجتمعات بشرية أنهكها الحرمان وليست ساحات مجردة لاختبار البطولة الخارقة، والإنسان الذي يصارع لتوفير قطرة ماء وجرعة دواء لأطفاله لا يقل انتماءً لوطنه عمن يرابط في الثغور؛ كلاهما يكتوي بنار المأساة، وكلاهما يستحق دولة تضمن حياته وحقوقه.
إن أخطر ما تخلفه الحروب المديدة ليس الخراب المادي على فداحته، بل ذلك السقوط البطيء في وعي المجتمعات حين يستحيل الاستثناء قاعدة، ويذعن الناس لواقع بائس بفعل سلطان العادة والاعتياد؛ حين يرضخ المجتمع لواقع لا لأنه يرتضيه، بل لأنه استُنزف حتى فقد القدرة على تخيل البديل. ومن هذا المنظور، فإن القيمة التاريخية لصمود تعز تكمن في كونها تلوح كشاهد حي على أن الوقائع المفروضة بقوة السلاح والدعاوى الثيوقراطية لا يمكن أن تتحول، بمجرد استمرارها، إلى حقوق سياسية مشروعة؛ فالسيطرة واقعة عابرة، أما الشرعية فعلاقة تقوم على الحق والرضا والمساءلة، وبينهما مسافة لا تختصرها البنادق ولا صكوك التميز العائلي.
لذا، يجب ألا يتحول تمجيد الصمود إلى جدار يحجب السؤال الجوهري: إلى أي أفق يقودنا هذا الصمود؟ فغاية الجمهورية ليست خوض حروب سرمدية، بل إرساء دولة قانون لا يضطر فيها المواطن لحمل البندقية انتزاعاً لحق كفله الدستور، ولا تحتاج فيها الحواضر لدفع أثمان باهظة لتثبت أنها ليست مشاعاً لأحد. وحين يخط التاريخ فصول هذه الحرب، ستظل تعز شاهداً على المعضلة الأكثر تعقيداً في اليمن الحديث: كيف لوطن اجترح ثورته الجمهورية قبل أكثر من ستة عقود، أن يجد نفسه مكبلاً بالدفاع مجدداً عن ذات البديهيات التي اعتقد أنه فرغ منها؟ وهل سننتهي إلى إعادة بناء المؤسسات الوطنية، أم سيبقى الحكم رهينة للغلبة العسكرية والامتيازات الموروثة لتنظيمات تدعي التفويض الإلهي؟
إن الثورات تستطيع إسقاط الأنظمة، لكنها لا تضمن زوال الثقافة السياسية التي أنتجتها؛ وقد تتغير الرايات والألقاب بينما تبقى العلاقة القديمة بين السيد والرعية كامنة في العقول والنفوس. وتعز اليوم، بكل ندوبها وتضحياتها، لا تطلب من الذاكرة صكاً بلقب المدينة التي لا تُقهر، بل تطالب بقراءة صمودها في سياقه الإنساني والسياسي الأوسع؛ كأعلى تعبير عن رفض اليمني أن يُختزل إلى تابع في أرضه، وتطلعه لسلام وطني لا تتمايز فيه مراتب البشر بالأنساب أو السلالات، بل بالمواطنة الخالصة.
فسلامٌ على تعز؛ الحاضرة التي لم تكن معركتها مجرد نزاع حول جغرافيا عابرة، بل وقوف صلب على الخطوط الفاصلة بين الدولة والغلبة، وبين المواطنة والتبعية، وأعادت إلى الذاكرة سؤالاً لم يُحسم بعد: هل قامت الجمهورية لتكون اسماً للدولة، أم لتكون نهايةً أبدية لزمن السيد والرعية؟
وسلامٌ على اليمن؛ الوطن الذي لن يسترد عافيته أو يستقيم مستقبله إلا حين تشرق الجمهورية كواقع معاش في تفاصيل حياة مواطنيه، لا مجرد أيقونة باهتة في تلافيف الكتب.


